الجمعة - 06 أغسطس 2021
الجمعة - 06 أغسطس 2021

إلا الهوية

تروي إحدى السيدات بتذمر أن الخادمة ترفض منذ لحظة قدومها أن تتم تسميتها باسم عربي لمجرد أن مخدوميها من جنسية عربية، وتصر على الاحتفاظ باسمها وبلباسها وتقاليدها وطقوسها الخاصة في الأكل والنوم والعبادة مهما كلفها الأمر، ولعل هذا سيتسبب في تعقيد عملية اندماجها مع الأسرة، ومع المجتمع المحيط ككل. هذا السلوك الشخصي للخادمة وإن كان يبدو للوهلة الأولى عابراً إلا أنه يشي بالكثير، فالقضية قضية هوية أولاً، الخادمة ليست مستعدة لتقديم تنازلات على الهوية لاعتبارات قد تتعلق بإخلاص الولاء، والخوف من الانصهار في قالب لا يخصها وفقدان الذات. وبالتركيز على جانب الهوية الجامعة خصوصاً، فإن الجماعات تحرص على أن تبقى غالبية في أي مجتمع (أي الجماعة الأكثر عدداً)، فتخلق لها هوية تنشأ من سمة أو سمات تمايزها عن غيرها، لأن الأكثرية في أي مجتمع عادة تحظى بامتيازات أكبر من الأقليات، وتشكل هيبة وقوة ضاغطة سواء على مستوى السياسة وتولي المناصب الرسمية العليا في الدولة أو على مستوى الحريات الدينية، وذلك حين يكون عدد الأفراد ذا قيمة إيجابية فيما يتعلق بتحصيل أو تثبيت أسباب القوة المادية والرمزية، ومن أجل ذلك فهي تحافظ على قوتها العددية من أن تهتز وينقص تعدادها فتخسر تلك القوة وأسبابها معاً، ولذا تشيع بين أفرادها منذ الصغر مبادئ الولاء لهذه الهوية الجامعة، وحض المرء على أن يكرّس عضويته الأكيدة بداخل تلك الجماعة والتوحد مع هويته، واستشعار الأمن والاعتزاز في إطارها، وهكذا سيصبح التنازل عنها صعباً في أي مكان وزمان، وهو ما يمكن أن نفسر به حالة الخادمة والحالات المماثلة لها، فالخوف من فقدان هذه الامتيازات يعكس الخوف على الهوية من الضياع والاضمحلال والاختلاط، وكما يقول إدوارد سعيد في «صور المثقف»: الشعور بأن جماعتك مهددة بالفناء السياسي أو الفعلي يستثير الهوية الدفاعية، لأن هذا الشعور يلزمك بالدفاع عنها وببذل أقصى طاقتك لحمايتها. هل تذكر مشهد الفرنسي في فيلم «خارج الحياة» للمخرج اللبناني مارون بغدادي؟ المشهد يدور حول ذات الفكرة بالضبط، يصور الفيلم رهينة فرنسياً مخطوفاً أثناء الحرب اللبنانية الأهلية اسمه باتريك، نرى الفرنسي داخل زنزانته يقيم حواراً مع أحد حراس الزنزانة بالخارج من خلال الباب المقفل، الحارس يطلب من سجينه باتريك أن يعلمه اللغة الفرنسية، وحين يسأله باتريك عن اسمه يطلب منه أن يعطيه اسماً فرنسياً، فيسميه باتريك «فيليب». يفرح الحارس باسمه الجديد، ويقترح على الفرنسي أن يسميه اسماً عربياً، هو «نعّوم»، لكن السجين الفرنسي اضطرب بشدة، وأعلن الرفض القاطع بأن يغير اسمه ويتخلى عن هويته مثلما فعل الحارس. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود