الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

السعادة والتعاسة إحصائياً

بدأ تراثنا العلمي في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية بداية قوية ناضجة سبقنا بها النهضة الأوروبية الحديثة بقرون، ولو ظل خط التقدم متصلاً حتى اليوم لسبقنا العالم كله في هذا المضمار، لكنه انقطع زمناً بفعل الخلافات الداخلية وما نتج عنها من ضعف أدى بدوره إلى خضوعنا للمحتل الذي أوقف مسيرتنا العلمية ونهب ثرواتنا، وبذلك تأخرنا عن الركب بمراحل، ونحن اليوم لا نكف عن الزهو بماضينا العلمي المجيد. ورغم ذلك، في الوقت الذي يغزو فيه العالم المتقدم الفضاء الخارجي تجدنا نتجادل حول أبسط مبادئ التفكير العلمي. ليس المقصود هنا بالتفكير العلمي تفكير العلماء، بل ذلك النوع من التفكير المنظم الذي يمكن أن نستخدمه في حياتنا اليومية، والذي أصبح نمطاً للتفكير في الدول المتحضرة، وله خصائص تمثل مقياساً لقياس مدى أي نوع من تفكير الإنسان، وأول الخصائص التراكمية: فالمعرفة العلمية متغيرة، ولكن تغيرها يتخذ شكل «التراكم»، أي إضافة الجديد إلى القديم، ومن ثم فإن نطاق المعرفة التي تنبعث من العلم يتسع باستمرار، ويظل في الوجدان الجمعي المبادئ الثابتة لكل مرحلة، وعليه يتم بناء التالي. ثانيها التنظيم: فجزء كبير من نشاطنا العقلي لا يعمل بطريقة منهجية منظمة فننتقل من موضوع إلى موضوع بطريقة عشوائية، أما التفكير العلمي فيفترض ألا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة وننظمها عن وعي ونبذل جهداً من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها، وهو ما يتطلب منا التغلب على كثير من عاداتنا اليومية فنتعود على إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وهذا يحتاج إلى مران، وستصقلها الممارسة المستمرة. أما ثالث سمات التفكير العلمي فهي البحث عن الأسباب: فلا يكون النشاط العقلي للإنسان تفكراً علمياً إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة أسبابها، وهو ما يمكننا من أن نتحكم فيها على نحو أفضل ونصل إلى نتائج علمية أنجح بكثير من تلك التي نصل إليها بالخبرة والممارسة فحسب، ورابع سمة هي الشمولية واليقين: وهنا نحرص في تفكيرنا على البحث عن المبادئ التي تنطبق على جميع الظواهر ونصل إلى ذلك بنظرة شمولية للواقع، وبمجرد الوصول يتولد اليقين النابع من اتساع البحث والجهد المبذول في الأخذ بالمعطيات وتطبيق المتراكم لدينا من الأسس والمبادئ، والمؤكد أن اليقين لا يكون مطلقاً في الغالب. وآخر سمات التفكير العلمي هي الدقة والتجريد: فعبارة مثل «قلبي يحدثني بأنه سيحدث كذا» هي عبارة تتسم بالغموض وتبتعد عن الدقة، ولا تعبر عن التفكير العلمي المبني على قوانين الرياضيات. كم نحن في مجتمعنا العربي بحاجة للتفكير العلمي، خاصة في ظرفنا الراهن، ليس لمواكبة عجلة التحضر، بل كي نفهم مشاكلنا ونحلها أولاً، ثم نلتفت إلى المنافسة. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود