الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

الأقواس أو إيماءة باليد تكفي

لم يكن الأمر سهلاً بالتأكيد حينما كان المحاضر في المؤتمرات العلمية يقرأ أوراق العمل الخاصة به، وعندما يصل إلى نص مقتبس يلزمه أن يقول «علامة اقتباس» ثم يذكر هذا الاقتباس، وحين الانتهاء منه يقول «نهاية الاقتباس» دلالة على أن الاقتباس قد انتهى. كانت هذه العملية بدائية ومرهقة، دعك مما تسببه تلك الإشارة بالكلام من كمية ضجر لا بأس بها، وتشويش في استيعاب النص الأصلي من المقتبس. كان هذا زمناً لم يكن فيه ذلك العرض التلفزيوني لورقة العمل والذي يوضح أماكن علامات الاقتباس دون الحاجة لذكرها، ولم تشع فيه علامة الاقتباس بواسطة الأصابع، أو على سبيل الدقة لم يتم ابتكارها بعد، ولو كانوا أدركوها ذلك الزمن لاستبدلوا عبارة (بداية الاقتباس .. نهاية الاقتباس) تلك بأن يرفعوا الإصبعين السبابة والوسطى إلى مستوى الكتف مع ثنيهما حتى تتشكلان على هيئة قوس اقتباس صغير، وبهذا تكون المشكلة منتهية باستخدام المعادل الحركي لقوسي الاقتباس. هذه الإيماءة بالأصابع لمحاكاة علامة الاقتباس عندما يتحدث الشخص أو ما يعرف Air quotes لم تُعرف قبل عام ١٩٨٩، لكنها أصبحت شائعة جداً منذ سنة ١٩٩٠، وقد عزا الكثير إلى أن الممثل الكوميدي ستيف مارتن كان أكثر من استعملها بتركيز مبالغ فيه، ثم انتقلت عدواها إلى الجميع على المستوى الشخصي أو في المؤتمرات العلمية، بل وعلى المستوى السياسي كذلك. كل هذه الطرق سواء كتابياً عن طريق الأقواس أو نطق هذه العلامات شفهياً، أو عن طريق محاكاتها بواسطة الحركات باليد لا تبتغي إلا الأمانة في النقل، وحفظ الحقوق الفكرية لصاحبها، حيث تشكل تلك الحماية الفكرية أهميّة كبيرة في عصرنا الحالي، ولذا حرص الناس على عدم الوقوع في هذا الخطأ بكافة الوسائل حتى في الخطابات الشفهية التي يصعب تحديد النص المقتبس فيها عادة، لكن وإن كان عن طريق ذكرها بالفم أو الإيماء باليد كي لا تختلط الفقرات المقتبسة مع نص المتحدث من دون حد فاصل بينهما، وفي هذا إلغاء لأي عذر قد يسوغ للسرقة الأدبية والفكرية. لكن ثمة أشخاص لدينا يلتقطون بين الحين والآخر بعض لمحات ينسبونها لأنفسهم علانية، أو دون الإشارة إلى مصدرها قصداً، ما يجعل المتلقي سواء كان قارئاً أو مستمعاً غير مدرك لمصدرها الأساس، ولو جُرد كلام بعضهم من هذه الاقتباسات مجهولة الملكية لظهرت آراؤهم الحقيقية باهتة يعوزها النضج ويغلب عليها الرخاوة لولا تقويتها بالاقتباس. هؤلاء يتركون للصوصيتهم العنان ثم يتهموننا بالتصيّد والإيذاء، متناسين أننا نعيش في عصر التوثيق، ومجرد قوسين صغيرين أو إيماءة بسيطة باليد كانت لتكون كافية جداً لرفع هذا الحرج عنهم.
#بلا_حدود