الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

ارتحال المشاعر

نقطن الجوار وترتحل المشاعر إلى ما وراء الديار، نحيا بروح وتنازعنا أرواح، تتقارب الأجساد وتتباعد المشاعر والأحاسيس، غربة تقطن أرواحنا لتقذفنا بعيداً في متاهات سنوات طويلة من بعد المسافة، رغم قرب الزمان وتلاشي جغرافية وحدود المكان، وأحياناً حواجز الجدران، غربة نعيشها مع ذواتنا حين تضطرب القيم وتتصادم المبادئ بزيف التصنع والتملق، حينما تكبلنا قيود اليأس، وتتهاوى عزائمنا على قارعة طريق التشاؤم تحت أرصفة الخوف، وعلى هامش السلبيات. غربة يعيشها البعض في بيته وبين أحضان أسرته، مع من يحيطون به من الأهل والأقارب، فعلى الرغم من ارتفاع حرارة كل ما يحيط به، إلا أنه في معزل عن دفء تلك الأعماق وكأنه في قوقعة فولاذية من برودة المشاعر لا تخترقها حرارة التواصل ولا تغذيها أقوات التجمعات ولا سكاكر المناسبات واللمات. أمثلة كثيرة تتجلى صورها في نماذج مختلفة لبعض البيوت والأسر، سواء كانت بين الآباء أو الأزواج أو الإخوة والأخوات، بالتناظر والتباين العكسي والمثلي، كثير من تلك الأعشاش الأسرية ترتحل عنها طيور المشاعر، مخلفة وراءها عيداناً جافة من العلاقات تتنازعها رياح الهجير ويسكنها فتور الترابط. قلوب تفتقد حميمية النبض في الوصل ما بين متنكر لها بإجحاف، أو متوارٍ منها على استحياء بين شح وتقتير، وعاطفة تفتقد الكثير. لماذا لا تكون بيوتنا جناناً وارفة الظلال من المودة تحيط بها بساتين السكينة، وتغشاها نسائم الرحمة وتفترش قيعانها الألفة والتفاهم والاحترام، وتُروى من ينابيع الحنان والاهتمام! لماذا نفتقر إلى أبسط وسائل التعبير عندما نريد أن نعبّر عما تكنه قلوبنا لمن يشاطرون الحياة معنا، سواء الأخ مع أخته أو الأم مع أبنائها أو الزوج مع زوجته؟ لماذا نتخذ من العزة والكبرياء درعاً نصد به سهام قلوبهم، وحاجزاً تتوارى خلفه مشاعرنا من الظهور والمواجهة؟ لماذا لا نطلق العنان لتلك المشاعر الحبيسة في أعماقنا قهراً؟ ونحطم عنها أغلال الاستحياء والعيب والحرام، تلك المسميات التي أقحمناها ظلماً وبهتاناً في قاموس علاقاتنا الأسرية الاجتماعية والأخوية، وأفردناها بحبس انفرادي عن باقي معاملاتنا في العلاقات! ماذا ننتظر؟ هل ننتظر أن ينام أبناؤنا، أو أن نفتقد غالياً، أو أن يرحل حبيب حتى نبدأ بجلد الذات على تقصيرنا معه وقلة اهتمامنا بأمره، وإحجامنا عن التعبير عن عظيم محبتنا له وشوقنا للتواصل معه! فلنبادر قبل أن نغادر. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود