الجمعة - 06 أغسطس 2021
الجمعة - 06 أغسطس 2021

حول المبدع والمتلقي

الثورة في وسائل التلقي والتفاعل بين طرفي المعادلة الإبداعية (الكاتب والقارئ) تبدو اليوم في أشد حالاتها إثارة وسرعة في التجدد والتطور. وقد وصلت ذروتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت للمبدع أن يتلقى ـ على نحو مباشر ولحظي ـ رد فعل المتلقي على نصه، والحصول على الكثير من المؤشرات حول القيمة الفنية لهذا النص، وقدرته على حمل الرسالة وإيصالها. إن ردود أفعال القارئ ـ سلباً أو إيجاباً ـ التي يتلقاها لحظياً ودون الاضطرار إلى الانتظار طويلاً قد تساعد المبدع على تلمس مواضع التقصير أو الخلل في النص، كما قد تلقي الضوء أمامه على جوانب يمكن تطويرها والعمل عليها، لتغني التجربة وتعمقها فيما بعد. وهذا يجعلنا نميل إلى اعتبار النص المرسل عبر هذه الوسائط نسخة أولى، أو مسودة يعرضها المبدع بغرض اختبارها والتعرف إلى صلاحيتها، ورصد ما يمكن أن تثيره من أصداء أو استجابات، ليتاح له فيما بعد اتخاذ القرار بالإبقاء عليها كما هي أو إجراء تعديل ما. ولا أعني هنا أن يكون المبدع واقعاً تحت سلطة القارئ، بحيث يهتم بإرضائه أولاً وآخراً، بقدر ما أدعو إلى احترام وجهة نظر هذا القارئ، والتعامل معها بجدية بالغة، لا سيما أن القراءة لم تعد فعلاً سلبياً، والقارئ أصبح عنصراً فاعلاً من عناصر الإبداع، يضاف إلى عنصري النص والكاتب، وهو ما تميل إلى تأكيده مختلف النظريات الحديثة في الأدب والنقد. كل ذلك قد يكون مغرياً ومليئاً بالطاقات والإمكانات الإيجابية، لكنه لا يخلو كذلك من مطبات ينبغي على الكاتب أن يأخذها على محمل الجد، وأخطر تلك المطبات أن جمهور المتلقين الذين يتواصل المبدع معهم عبر هذه الوسائط فقد يكون من القراء غير المحترفين الذين يفتقرون إلى الحدود الدنيا من شروط القراءة الواعية، وقد يميل بعضهم إلى إطلاق أحكام عامة متسرعة تبالغ في المدح أو الذم، وتستند إلى اعتبارات شخصية أكثر منها أدبية أو فنية خالصة، ما يحتم على المبدع البحث عن طريقة للغربلة والتمييز، كي لا يقع في فخ الإحباط، أو شرك الغرور الذي ينصبه قارئ غير مؤهل. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى أن التجربة جديدة، وما زال الوقت مبكراً للحكم عليها. وفي ظل حالة التسارع المذهل التي يشهدها عالم التواصل الإلكتروني يمكن أن نتوقع اندثار هذه الوسائط، لتحل محلها وسائط أخرى مختلفة كلياً في أدواتها وصيغها وأشكالها. وقد تكون هذه الوسائط الجديدة أكثر كفاءة، وقدرة على صقل العلاقة بين المبدع والمتلقي. وهو أمر ـ إن لم يكن حتمياً ـ فهو متوقع وقريب جداً. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود