الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

هل النسيان يدعو للقلق؟

يصر معظم الناس الذين التقيت بهم في حياتي على أنهم مصابون بداء «ألزهايمر» مع أن الأمور لم تبلغ بهم هذه الشدة المرضية، وربما هي حيلة كي يتقوا بها بعض الالتزامات الاجتماعية فيوقعوا العتب على الذاكرة، ويصرون - كما يحكي أحمد توفيق - على أن «ال» الواردة في بداية اسم المرض ليست سوى أل التعريف، ولذا تجد أحدهم عندما يصف حالة النسيان التي تلازمه يقول «أنا مصاب بزهايمر شديد». على كل، هل يمكن اعتبار لوثة الشرود والنسيان نوعاً من أمراض الذاكرة وأزمة تستوجب القلق بشأنها أم هي مجرد ظاهرة تفرضها طبيعة الذاكرة؟ بعض العلماء والخبراء اعتبروا أن النسيان مرض ويعاملوه معاملة الأمراض، ولديهم بالطبع ما يبرر اعتقادهم بأن الذاكرة بصفتها وظيفة نفسية تعمل على حفظ الذكريات واسترجاعها عند الضرورة، لذا فإن كل فقدان أو عجز في الاستحضار يعتبر خللاً وليس أمراً طبيعياً. من بين العلماء الذين يرون أن النسيان مرض أما ريبو، وهو يُرجع النسيان إلى إصابات في الدماغ، فأية إصابة في خلايا القشرة الدماغية تؤدي حتماً إلى زوال الذكريات المسجلة عليها، ما ينتج عنه فقدان الذكريات الجزئي أو الكلي. كما أن فرويد اعتبر النسيان كبتاً في جانب اللاشعور، وهو مصمم على أنه مرض. وفي العام ١٩٠٧، وصف الطبيب الألماني آلو ألزهايمر بأنه مرض غريب يؤكد وجهة النظر القائلة إن الجنون والنسيان مرضان كيميائيان، شخّص حالة امرأة شابة لا تعاني خرف الشيخوخة، لكنها بدأت تواجه صعوبات في تذكر الماضي والأحداث القريبة والوجوه، ثم تطور الحال وصار انتقاؤها للمفردات أصعب ومن العسير أن تتذكر كيف تلبس ثيابها أو تغسل وجهها، مع بعض التصرفات الاجتماعية غير اللائقة، وبعد وفاة هذه المرأة وجد علامات مميزة للشيخوخة في المخ، وهكذا عرف العالم مرض ألزهايمر. لكن هذا طبعاً في الحالات الشديدة، أما النسيان بصورته الحميدة أو المخففة فلا يدعو للقلق وهو لا يشبه ألزهايمر بحال، والكثير من العلماء يعده ضمن الحالات العادية ومنهم برغسون، فالذاكرة لا تعني حفظ كل آثار الماضي ثم استعادتها جميعاً، إذ لا يتذكر الإنسان من الماضي إلا ما كان له علاقة بالواقع الذي يعيش فيه لحاجته للتكيف، وهو بهذا المعنى ليس مرضاً، بل ظاهرة تفترضها طبيعة الذاكرة وشرط من شروط توازنها، النسيان ليس نفياً كلياً للذاكرة، ولولاه لما استطاع الإنسان أن يتكيف مع المواقف الحياتية الجديدة. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود