الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

لسان أعوج

بعد تسيّد اللغة الإنجليزية واستحواذها على لسان العرب والعجم، وتباهي الناس بالرطانة، انحسرت المعرفة بالعربية حتى أصبحت غريبة مجهولة، وشاعت حمى التهافت على استخدام الكلمات والمصطلحات الإنجليزية أو الأجنبية عموماً، وهي حمى قاتلة انتشرت هذه الأيام بين العامة والخاصة، حتى إن بعض مثقفينا ابتلوا بهذا الداء. فتجد البعض يتفننون باستخدام ألفاظ مثل (شيزوفرينيا، آيديولوجيا، كاريزما، نيو لوك، ستايل، تيليفجن، ستالايت، مسج، ملتيميديا، نو وئي، سو، جست، كوول، دايناميك، ... وغيرها) ولسان حالهم يقول ها نحن تطورنا فمن يسبقنا؟ وكأن التطور استعارة ألفاظ أجنبية، وثني اللسان واعوجاج الألفاظ والمط والحط وإطلاق اسم دَكْ على البط، ففي اجتماع حضرته أخيراً كانت العربية إحدى اللغات الرسمية هناك، وكل منا وضع على أذنيه سماعة الترجمة الفورية للغة التي يفهمها، فجاء دور أحد الأخوة العرب، لكنه نسي أن الاجتماع في بلد أوروبي، وأن المجتمعين أصلاً أجانب، فتكلم بلسانه المعوج (إنجليزي عربي) الذي يستخدمه هنا بين أقرانه وأبناء لغته للتباهي، وما إن أنهى الفقرة الأولى من مداخلته حتى زعق به أحد الأوروبيين الذين يجيدون العربية، وأمره بالصمت والتركيز قليلاً ليرى أي لغة يجيد فيستخدمها، حتى يتسنى لهم التركيز كمستمعين ويستقروا على أمر وضع السماعة أو خلعها، فاحمر وجه أخينا الدوك (اختصار اسم دكتور) خجلاً ولم يكمل مداخلته وترك القاعة وخرج! في الجانب الآخر ومع انتشار رسائل الاتصالات المتطورة (الإلكترونية والنصية القصيرة والوسائط المتعددة) انتشرت موجة الأخطاء اللغوية حتى بت تشك بأن مرسل الرسالة عربي أصلاً. اللغة الأسوأ هي لغة الفنانين، خصوصاً أبطال الكليبات الغنائية، فحدث ولا حرج، اعوجاج لسان وأشكال وأخلاق! الطامة الكبرى أن بعض أصحاب اللسان المعوج باتوا يعملون في ترجمة الأفلام، فيترجمون الكلمة الإنجليزية بتحويلها حرفياً إلى حروف عربية بلفظها الإنجليزي! موضوع الترجمة موضوع ذو شجون، فمع شيوع مستخدمي الإنجليزية في شرق العالم العربي، والفرنسية في غربه، تكاد تنحسر الحاجة إلى الترجمة من وإلى العربية، لإقبال الغالبية على القراءة بالإنجليزية والفرنسية والابتعاد عن العربية، وكما نعلم إن موضوع الترجمة له شأن كبير في التطور الأدبي والمعرفي. كثير من أبناء جيل السبعينات وما سبقه من أجيال، اطلعوا على كثير من إبداعات الغرب الأدبية مترجمة إلى العربية، وقد كانت تلك فرصة عظيمة بالنسبة لهم، الاطلاع على آداب الشعوب من خلال لغتهم، واللغة العربية التي كانت مستخدمة في الترجمة كانت لغة راقية وجميلة. المشكلة العظمى انتشار للسان الأعوج في الجامعات والوسط التعليمي عموماً، بين الأساتذة والطلاب على حد سواء، حتى أصبحت سمة غالبة في مجمل الحوار الجامعي، وإني لأخاف على كليات اللغة العربية والشريعة والدراسات الإسلامية، فهي القلعة الأخيرة التي نراهن عليها. هذا بعض ما أدركنا من وضع لغتنا الحبيبة، جحود ونكران وغربة، ولا حياة لمن تنادي. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود