الاحد - 25 يوليو 2021
الاحد - 25 يوليو 2021

مفترق طرق الحياة

لعل من أكبر نعم الله سبحانه وتعالى علينا أنه أعمى أبصارنا عن أقدارنا، فالترقب الذي تحمله الأحداث لما ستؤول إليه مصائرنا لا مثيل له قط، فتخيلوا قراءتنا لكتاب نكتشف نهايته من الأسطر الأولى، أو مشاهدتنا لمباراة كرة قدم نعرف نتيجتها سلفاً، انتظارنا للغد بفارغ الصبر هو ما يجعل ليومنا قيمة. تمر في حياتنا مفترقات طرق عدة لا نعي المصائر التي سنبلغها في نهاياتها، ورغم ذلك نتوكل على الله في انتقاء المسارات التي تحقق طموحاتنا، بيد أن البعض يندم بعد مرور سنين على المسارات التي سلكها، ويتمنى لو يعود به الزمان لسلك دروباً مغايرة. ولكن هؤلاء لا يدركون مسألة مهمة حين يترنمون بالحسرة على قراراتهم، وهو أنهم اتخذوها بناءً على تكويناتهم الشخصية، وأنهم لو فعلوا غير ذلك لما كانوا هم فعلاً، وإنما أشخاص آخرون لا يمتون إليهم بصلة! قرارات مصيرية كالدراسة الجامعية تتحدد بناءً على ميولنا الشخصية، وفي حال شعر المرء بعد مرور عقد من الزمان بأن التخصص الذي انتقاه لا ينطلق من ميوله، فالسبب قد يكون في الغالب انتقاؤه له تأثراً بآراء من حوله كأبويه، موقف كهذا قد يدفع بصاحبه إلى طرح التساؤل التالي «ماذا لو درست تخصصاً آخر؟ هل كنت سأكون في هذا الموقع الذي أحتله حالياً؟». في الحقيقة سألت نفسي مراراً عن التخصص الذي كنت سأنتقيه لو لم أدرس الإعلام فوجدتني مباشرة أتوجه إلى الفيزياء، حيث أذكر حبي الكبير لتلك المادة إبان الدراسة الثانوية، بل إنني شطحت بمخيلتي ورأيتني في معمل أبحاث علقت على الحائط صورة آينشتاين مصدراً لإلهامي. إلا أنني لا أنفك ألعن مادة الرياضيات التي وقفت سداً منيعاً في طريقي، إذ لم يستوعب عقلي معادلاتها الفيثاغورثية، ما دفعني لاتخاذ الدراسة الأدبية مساراً لي قبل التخرج من الثانوية العامة، وحين جاء وقت انتقاء التخصص الجامعي، وجدتني أتجه إلى الإعلام وأتخصص في الصحافة، وهي قرارات وجهها حبي الشديد للكتابة منذ نعومة أظافري، ولم أندم قط على ذلك القرار. قد يعود بي الزمن لذلك المفترق من الحياة وأنتقي تخصصاً أكثر عملية إن شاء لنا التعبير، بيد أنه لن يكون قراراً طبيعياً أتخذه، فضلاً عن أنني لم أكن لأعلم لو كان سيؤدي بي إلى موقع أفضل مما أنا فيه حالياً. من المجدي التدبر في أخطاء الماضي لتحسين قرارات المستقبل، ولكن البكاء عليها لن يجدي أحدنا نفعاً، فقراراتنا ولو كانت خاطئة تشكل جزءاً لا يتجزأ من شخصياتنا التي تصقلها الظروف والمواقف. ومن انطلاق إيماننا بالقدر يتوجب علينا أن نستبشر خيراً بالمستقبل الذي سنبلغه من خلال المسارات التي اخترناها بكل ثقة، فإن تفاءلنا خيراً كما وصانا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فسنجده ينتظرنا ببوارق الأمل بإذن الله. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود