الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

محمد وغرفة الألعاب

محمد طفل صغير في العمر كبير في الأحلام والآمال، حاله كحال الملايين من أطفال العالم، ولكنه تميز عنهم بإصابته بمرض اللوكيميا والذي يستدعي الخضوع لعلاج طويل ومكثف يرهق البدن والروح، ويعزل الطفل جزئياً عن العالم الخارجي في فترة العلاج، بسبب ضعف مناعته خلال تلك الفترة. في الخارج، وتحديداً في أمريكا حيث كان محمد يعالج أخيراً، كان فريق العمل في المستشفى المتخصص بعلاج حالات السرطان متفهماً احتياجات محمد الطفولية، ولهذا كان يعامله على أساس أنه طفل صغير يمر بحالة من الخوف والرهبة والغضب، ولذلك تمت السيطرة على انفعالاته كافة بكل سلاسة، كان يوفر له ساحة اللعب المزودة بكل ما يحتاج إليه الطفل في عمره، كما كان يسمح له بالاختلاط بالأطفال في المستشفى وبعائلته، لأنه يدرك أن تقييد محمد إلى سرير العلاج سيحطم حالته النفسية، وسيؤثر سلباً في العلاج، كما انتبه إلى توفير بيئة مناسبة ومريحة لوالديه المرافقين له في رحلة العلاج، لأنه يدرك أن دور الوالدين مهم جداً في توفير الدعم المعنوي لمحمد، لم يكن مستشفى عادياً، بل كان مكاناً سحرياً يبث القوة في روح الطفل متى ما أنهك العلاج المكثف جسده. رجع محمد من أمريكا ليكمل العلاج في الدولة والتي تمتلك مستشفياتها كل المقومات الطبية من أجهزة وكادر طبي، ولكنها لا تمتلك الترياق السري الأهم، وهو المقدرة على معاملتهم كأطفال، وتلبية احتياجاتهم في هذا المجال. تطل غرفة محمد اليوم في مستشفى خليفة التخصصي على غرفة ألعاب مغلقة منذ سنوات طويلة بحجة عدم توافر الميزانية لإدارتها، كما تم منع محمد من الاختلاط بأشقائه بحجة الخوف من انتقال العدوى، لا يعرف فريق العمل هناك أسرار الابتسامة الصادقة والودودة والتي يمتلك الطفل المقدرة على اكتشاف تزييفها، بتنا نتعامل مع ممارسة الطب كوظيفة تضمن لنا راتباً في نهاية كل شهر، نحاول إتقان الطرق الحديثة كافة في العلاج، ولكننا نتحاشى تطوير مقدراتنا العاطفية في التعامل مع مرضانا بإنسانية تليق بالطب كأنبل وظيفة على وجه الأرض. محمد يدرك وعلى الرغم من صغر سنه، أن الاستسلام هو خيار غير وارد، وكأن الله أراد أن يبين لنا من خلال أمثاله من الأطفال المقدرة البشرية على مقاومة مصاعب الحياة ومهما عظمت. محمد لا يريد منا نظرات الشفقة ولا كلمات المواساة، فهو مازال طفلاً صغيراً لا تعنيه الكثير من هذه الكلمات، كل ما يريده الآن ليواصل كفاحه هو النظر إليه كطفل صغير بدل معاملته كرقم يتكرر في ملفات المستشفى، وأن يتم فتح غرفة الألعاب الملاصقة لغرفته كي لا يفقد الاستمتاع بلحظات قيّمة من مرحلة طفولته، فمراحل حياة الإنسان لا تتكرر. فهل نحقق أمنيته؟ للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود