الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

إنه موسم الهجرة إلى الشمال

أجزم بأني شممت رائحة الصندل والدلكة حين كنت أقرأ الرواية «عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة سبعة أعوام على وجه التحديد»، هكذا يستهل الطيب صالح الرواية يخاطبنا بـ «يا سادتي».. كمن يجلس معنا يقابلنا .. يتكئ على المكتب أمامنا أو على الأريكة التي تقابلنا أو على السرير، بمحاذاة عقولنا .. يدلف إليها مخاطباً إياها .. هكذا يبدأ ليدخل عقولنا، ويأتي بكل شخوصه ليفعلوا ذلك .. ويعلمنا بأن «الحياة طيبة والدنيا كحالها لم تتغير». هكذا هي دنيا البطل بعد أن عاد إلى قريته الصغيرة بعد سبع سنوات قضاها خارج القرية ليتحصل بها على شهادة كبيرة كما يقال بذاك الزمن. في «موسم الهجرة إلى الشمال» لم يثر فضولي الراوي أو صوته ومونولوجه الداخلي بل الشخصية التي أعتبرها محورية هناك، مصطفى السعيد، وغالباً حينما أقرأ رواية أصادق شخوصها .. شخصية تكون الأقرب تشدني لأنهي العمل، تزيح الأشياء الأخرى التي قد تتكدس داخلي كالملل مثلاً. في «موسم الهجرة إلى الشمال» صادقت مصطفى السعيد وأخذت أسبر أغوار الرواية لعلها ترشدني إليه عبر الحياة .. وحين اختفى من الوجود لم يختف من الرواية .. لاحقه البطل في المونولوج الداخلي وخارجه .. قرر أن ينهي سرده بعيداً عن مصطفى السعيد. قريباً من الجزء الأدبي للرواية فإن الطيب صالح هو كما أطلق عليه «عبقري الرواية العربية»، فالسرد هناك أخذ الطابع الروائي البسيط والمونولوج الداخلي للشخصيات كان جميلاً وعميقاً. يشعرك بكل شخصية عبر الحوارات تارة والسرد طوراً .. والشخوص انتقاهم الطيب بعناية فلم يكن هناك زج للحشو .. الزمان والمكان من أهم لبنات الرواية، وهناك كان الزمان واضحاً تماماً كما المكان لا يترك القارئ يتساءل عن أي زمن وبلد نتحدث. المكان السودان كبلد .. في القرية البعيدة قليلاً عن الخرطوم .. القرية التي حكى أنها «البلد طول حياتنا تحت ستر الله». [email protected]
#بلا_حدود