الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

الصبر مطلب في المراحل الانتقالية

يحكي صموئيل حبيب موقفاً عاشه مرة برفقة صديق له فيقول: ركبنا عربة حنطور، صديقي وأنا، وكنا في شوارع المنيا، وقد كانت شوارع المنيا قبلاً مرصوفة مريحة، ولكنها الآن مملؤة بالكسور في أماكن مختلفة، السير عليها صعب، والركوب عليها أصعب، وكان صديقي ضيفاً علي بالمنيا، قلت لصديقي: «معذرة فالشوارع غير مريحة للسير أو للركوب، حفرت الشوارع أولاً لأنابيب المياه، ثم للمجاري، ثم للتليفونات، ولا زالت». فقال صديقي: «هذه تكاليف الإصلاح». بالتأكيد لا يوجد إصلاح بلا ثمن، وأول كلفة للإصلاح هي الصبر على ثقل وطأته وضرائبه، إذ لا بد للإصلاح من صراع يموج فيه الناس فترة من الزمن تسمى المرحلة الانتقالية، ومن ثم يخرجون منها في سلام، وقد تخلصوا من آثار المرحلة الأولى، وفي هذه المرحلة الانتقالية من وضع لآخر بغرض الإصلاح، فإن أشياء كثيرة ستختفي أو تتراجع، وأشياء أخرى ستظهر أو تُضاف، ولذا فإن الإصلاح يلزمه كمية كبيرة من طول البال والظروف الهادئة التي تكفي لإنهائه كما يجب، لكنه لو خضع لأوامر الملهوفين على استعادة توازنهم سريعاً دون أن يفرغ من إتمام وظيفته كما يلزم، أو قوبل بالاستغلال أو افتعال الاضطراب، فسيعطي نتائج مهتزة مريبة ومشكوكاً في اكتمال نضجها، وربما كانت شديدة البؤس. هذا ما ينبغي أن يتعلمه المجتمع العربي قبل التفكير بخوض أي تغيير وإصلاح، عندما يكون المجتمع مقبلاً على شدة جديدة في حياته الاجتماعية أو السياسية، فإن تلك الشدة تقتضي مزيداً من الانضباط للتحرر منها بأقل الخسائر، الانضباط في إيقاع الأداء مهم أملاً في حوز أكبر نصيب من إيجابيات الشدة التي يعقبها خير، فالقدرة على ضبط النفس والإمساك بالأعصاب لئلا تنفلت في الحالات الانتقالية الثقيلة مظهر من مظاهر صحة المجتمع، أما إشغال الإصلاح بالمعارك الصغيرة وإلقاء المزيد من الحطب وسط ناره المضطرمة، ومحاولة إضافة أعباء أخرى إلى أعبائه عن طريق الشغب، وانفلات الأمن والممارسات غير المشروعة، سيدفع العقلاء من تلك المجتمعات إلى تبني دعوات عامة للتخلص من هذا الإصلاح، وإيقافه عند منتصف الخط، لأن الخسائر أكبر من المتوقع، وترك الإصلاح يواصل سيره في هذه الظروف التي لا تلائمه مجازفة كبرى قد يذهب ضحيتها البلد بأكمله. [email protected],.com
#بلا_حدود