الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

إزعاج

العودة إلى المدارس تعني لي عودة الإزعاج وترديد أغنية مقدمة المسلسل الكويتي «إزعاج» الذي بُث في أواخر الثمانينات كما أذكر، وجود بقالة قريبة من منزلنا له إيجابيات وسلبيات، ولو كان بيدي الاختيار لاخترت ألا تكون هناك أي بقالة قريبة، لأن الإزعاج الموسمي يمتد طوال العام ويزداد أثناء أشهر الدراسة، الذاهبون إلى المدرسة أو العائدون منها يتوقفون أمام البقالة بسياراتهم ولا ينزل من السيارة إلا القليل والبقية يطلقون العنان لأبواق سياراتهم متناسين أو متجاهلين أن هناك العشرات من المنازل حول البقالة وفيها النائم والمريض والطفل والكبير، هذا الإزعاج يبدأ من السابعة صباحاً، ولا يتوقف حتى منتصف الليل. البعض اتهمني بالحساسية الزائدة ضد الإزعاج، وآخرون دعوني لتقبله فهو شيء طبيعي وجزء من ثقافتنا! أما التهمة فربما هم على حق، لكن الدعوة لتقبّل شيء ما، لأنه جزء من ثقافتنا فهذا ما لا أستطيع بلعه، هناك عادات سلبية كثيرة في المجتمع، فهل نتقبل كل واحدة منها بدعوى أنها جزء من ثقافتنا؟ ما فائدة السعي للتغيير إذاً؟ الضوضاء تعتبر نوعاً من التلوث البيئي، لأن الوضع الطبيعي هو عدم وجود أي ضوضاء غير طبيعية كأصوات منبهات السيارات وكلام الناس بصوت عالٍ أو أصوات المحركات والآلات الثقيلة والطائرات والمروحيات وغير ذلك، كل هذه الأصوات تعتبر من الإزعاج والضوضاء، ولها تأثير سلبي في الناس. من هذا التأثير السلبي ضعف السمع أو فقدانه تماماً، بحسب منظمة الصحة العالمية، وفي تقرير لها عام 1999 يعتبر ضعف السمع أو فقدانه أحد أكثر الأخطار المهنية انتشاراً، وهناك ما يقرب من 120 مليون شخص حول العالم فقدوا حاسة السمع، هذا جانب سلبي واحد من تأثير الإزعاج، وهناك جوانب أخرى. الضوضاء قد تتسبب في القلق، التوتر، الكدر أو الانزعاج، ارتفاع ضغط الدم، التسبب في داء الشريان القلب التاجي، اضطرابات النوم، اضطرابات المعدة، وهذا جزء من المؤثرات السلبية للإزعاج، ويمكنك إيجاد المزيد إن أردت، لا يمكن بعد سرد كل هذه المؤثرات السلبية أن يقول شخص إن علينا تقبّل الإزعاج كجزء طبيعي من ثقافتنا، الضوضاء كانت وما زالت وستبقى شيئاً غير طبيعي، ولا يمكن القبول بها بأي شكل. ازدياد أعداد الناس والسيارات ووسائل النقل الأخرى واتساع المدن كلها تسببت في ازدياد الضوضاء وارتفاع مستوياتها، كذلك عدم وجود قوانين تحدد مستويات الإزعاج أو هي موجودة، لكن لا تطبق، ولا أنسى التقنيات المختلفة التي يمكن ملاحظة إزعاجها عندما تتوقف كلها عن العمل في الوقت نفسه، عندما تنقطع الكهرباء في المنزل، وهذا نادر، تتوقف كل الأصوات، الثلاجة والتلفاز ومضخة الماء والمكيفات، الهدوء في هذه اللحظة يجعل الإزعاج أكثر وضوحاً، لأن من لم يدرك كم الإزعاج سيدركه في هذه اللحظة عندما تسكت كل الأصوات. هذا قاد البعض إلى البحث عن حلول لتقليل الإزعاج بتصميم سماعات مثلاً، لإلغاء أي إزعاج أو تصميم كراسي مصممة لكي تحمي الجالس من أي إزعاج خارجي وتجعله يعيش في جنة مؤقتة من الهدوء، وبالطبع الحلول الأفضل هي الابتعاد عن مصادر الإزعاج بالسفر إلى البر أو البحر، لكن حتى هذا الحل لم يعد مجدياً، خصوصاً أن البر ملوث بأصوات الدراجات، والبحر بأصوات الدراجات المائية أو «الجيت سكي» كما تُسمى. يبقى الحل الأكيد هو السفر إلى مكان بعيد جداً، إلى جبل ما لم تصل إليه يد «الحضارة»، حيث يعيش الناس حياة طبيعية لم تتأثر بعد بالكهرباء والأضواء والهواتف الذكية، حيث يعيش الناس في وئام مع الليل والنهار، فهم يعملون في النهار ويرتاحون في الليل، كما يفترض في كل الناس فعله. [email protected]
#بلا_حدود