السبت - 24 يوليو 2021
السبت - 24 يوليو 2021

دائرة النار

هل يمكن للمبدع أن يذهب ضحية إبداعه؟ الواقع أن شيئاً من هذا القبيل حدث مع الشاعر والمسرحي الأردني الراحل منذ أيام عاطف الفراية. وعاطف مسكون بالإبداع إلى درجة لا تجعله يجيد الحديث عن سواه. ألتقيه مرة في الأسبوع على الأقل، يوم الأربعاء في جلسات نادي القصة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة فضلاً عن لقاءات أخرى في مناسبات مختلفة. أتكلم هنا عن سنوات من الصداقة لا عن أيام أو أسابيع أو أشهر. وخلال هذه السنوات كلها لا أذكر أنه خرج في أحاديثه عن دائرة النار التي أغلقها على نفسه: شعر، قصة، مسرح، سينما، وتلفزيون.. لا عمل، لا حياة خاصة، لا مشكلات يومية، لا أزمة مواصلات، لا غلاء أسعار، لا طعام لا شراب .. كل ذلك بدا بعيداً عن عالمه، رغم معرفتي الأكيدة بأنه جزء حقيقي من التحديات التي يعيشها، لكن عاطف حيّد تلك التحديات وهمشها لصالح ما هو أهم وأكثر تجذراً والتصاقاً بروحه .. الإبداع. وأعترف الآن أنني كنت لا أحتمل ذلك منه في كثير من الأحيان فأتهرب من لقائه. لم تكن لدي القدرة على أن أتعامل مع رجل لا يعرف من الحياة شيئاً سوى الأدب والفن والكتابة. كان لديه إحساس بأنه ظلم، وأنه لم ينل حقه. وأظن أن هذا الإحساس لعب دوراً إيجابياً في حياة عاطف، لأنه دفعه إلى الاستمرار بحثاً عن إثبات الذات. لم يتوقف، وظل مثابراً على التواصل مع الوسط الثقافي في الإمارات والأردن ومصر وسواها. لديه معرفة بمعظم الكتاب والأدباء والمبدعين العرب، يتفاعل معهم بلقاءات حية، وعبر الرسائل، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والصحافة. ويتحدث عنهم بوصفهم أصدقاء مقربين. يزودك بأخبارهم، ويسعى لحل مشكلات بعضهم. مؤخراً بدأ اسم عاطف الفراية يفرض نفسه، بعد أن طبع مجموعته «أنثى الفواكه الغامضة»، ثم بعد الجائزة الكبيرة التي حصل عليها، المركز الأول في النسخة العربية من المسابقة الدولية لنصوص المونودراما، التي تقوم عليها هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام عن نصه «البحث عن عزيزة سليمان». التقيته قبل خمسة أيام من وفاته، وكان سعيداً بهذا الإنجاز. أخذ يحدثني بحماس طفولي مدهش عن تصوراته للطريقة التي يجب أن يقدم بهذا العمل، طرح علي أسماء ممثلات يعتقد أنهن الأقدر على أداء العمل. قبل وفاته بساعات كنا على الهاتف، نتحدث في أمر يخص الفنانة السورية مي سكاف. بعدها جاء النبأ المفجع، وفاة عاطف الفراية وهو في ذروة إحساسه بالفرح والامتلاء بعد أن حقق نجاحاً اعتقد أنه سيكون منعطفاً في حياته. رحل عاطف الفراية بطريقة انتقم بها منا جميعاً، بطريقة أفزعتنا، وخلفت فينا كماً هائلاً من الألم والإحساس بالفراغ. شخصياً، لن أسامح نفسي لأنني لم أفهم عاطف إلا بعد رحيله. [email protected]
#بلا_حدود