الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

موسم الجراد

لا تماطل في مواعيدك مع الرواة، فقد يملون انتظارك فينسون، وقد يمتلئ قلبهم حزناً لظنهم أنهم باتوا مهملين أو قد تسبقك يد المنيّة فيموتون. الموقف الأخير كان حالي مع المرحوم عبدالله بن سعيد المظلوم، والد الزميل والأخ هشام المظوم، كان رحمه الله أباً حانياً ومتحدثاً لبقاً وصاحب ذكريات جميلة. كلما حانت له فرصة كلمني، كنت أحس دائماً بأنه أبي لما يغدقه عليّ خلال أحاديثه من الود والعطف، مرّات كثيرة حدثته وأنا أسوق سيارتي لمسافات طويلة، عشرات الكيلومترات أقطعها دون أن أحس بوحشة الطريق لأن أبا هشام يرافقني بأحاديثه العذبة ورواياته الشيقة. الشاهد أن أهم ما كان يحرص الوالد عبدالله على روايته لي هو موسم الجراد، فعمله مع الإنجليز في شركة مكافحة الجراد يشكل مفصلاً مهماً في مسيرة حياته، وذكراه محفورة في ذاكرته. يذكر وعورة الطريق، ومشقة العمل، مع تفاصيل دقيقة جداً، لكنه كان يردد لي دائماً بأن الحديث عبر الجوال لا يكفي، وأنني يجب أن أجلب جهاز التسجيل وأحضر إلى بيته في منطقة سمنان في الشارقة لكي أسجّل موضوع الجراد وموضوعات أخرى حول ماضي الإمارات وحياة الآباء والأجداد. لكن شرطه الوحيد لمجيئي أن أحضر الشاعر راشد شرار معي، وكذلك الشاعر عبدالله العويس، فقلت له لماذا، قال لأني أودهما كما أودك وأريد أن نختم مجلسنا بأمسية شعر. كان ذلك الموعد معلقاً دائماً فكيف لثلاثتنا أن نجتمع ونحن جميعاً في غاية الانشغال، والعمل يكاد يفترس كل مساحات الأنس فينا. ذكر لي عبدالله العويس أن أبا هشام كان يحدثه أحياناً، وأنه رآه يوماً يُنقل بسيارة ويبدو عليه المرض، كما ذكر لي راشد شرار أنه التقاه في بعض الأيام وحدثه. الغريب أن أبا هشام كان لا يذكر المرض ولا يتألم، رغم أنه كان مريضاً جداً، ويكاد يكون مقعداً، فهو لا يتحرك إلا على كرسي متحرك، ولا يستطيع الالتفاف برقبته أو الالتفات لأن رقبته كانت موثوقة برباط كسر الرقبة. رحمك الله أيها الوجيه عبدالله المظلوم وأسكنك فسيح جناته، والعوض في أبنائك الأكارم الذين أحسنت تربيتهم وهديتهم إلى طريق الرشاد، كل أبنائك لهم قدر عند الجميع والحمد لله، وهذا استثمارك الأكبر، دعواتهم ودعواتنا لك دائمة إن شاء الله. أخي الباحث أخي الدارس، هذا جانب من حكاياتي مع أحد الرواة الأجلاء الذين أتألم كثيراً لفراقهم ولذكراهم العطرة، فلا تؤجل مواعيدك معهم، الوقت قصير، وغيابهم سريع، ولن تحتمل فراقهم، ولن تعوضك مكتبة عن فقدان معلوماتهم، ولن تسامح نفسك على تقصيرك معهم. قال باحث عربي إن فقدان راوٍ كفقدان مكتبة، والله لفقدهم أكبر بكثير من فقدان مكتبة، كل شيء يمكن تعويضه إلا فقد المشاعر والأحاسيس فهي لا تقدر بثمن. للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود