الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

عن اتهام اللغة بالتقصير

أعقدُ مرحلة ممكن أن يصل إليها أي كاتب هي حينما يهم بتدوين فكرة لا زالت ذائبة بين أصابعه ولم تتبلور بعد، على الرغم من أنها أخذت نصيبها الكافي من الاكتمال في الذهن، لتصبح في النهاية عصية على التدوين. عندها يشعر أن هناك معاني لا تقابلها كلمات، وأن هناك أفكاراً خارج نطاق اللغة، ولو حاول أن يعصر عنقها ويدونها بالقوة لأفسدها. إن الأفكار بطبيعتها أرحب من اللغة، تحضر الفكرة أولاً ثم يحضر الكلام، بدليل عدم التلاؤم أحياناً بين المعاني والألفاظ .. فالتردد في التعبير واعتبار أن اللفظ المتاح لا يفي بالغرض، والتوقف أثناء الكتابة في محاولات مضنية لتعبئة الفراغات بتوصيفات أعمق، وتعويض ألفاظ بأخرى كلها أدلة على عدم الانسجام والتوافق بين المعاني والألفاظ المختارة لها، فالفكر في حقيقته فيض متصل من المعاني، في حين أن الألفاظ مجرد وعاء لها، وهذا ما يؤكده الواقع، فنحن نفهم أكثر مما نتكلم ونستوعب أكثر مما نعبر في العادة. وعلى الرغم من ذلك .. فلا يمكن أيضاً اتهام اللغة بالعجز والتقصير، لكن توظيفها وابتكار قوالب تحمل المعاني بشكل خالص موهبة لا يقدر عليها كل شخص، ولذا فهي في حالة تجديد مستمرة كي تفي بالمتطلبات الفكرية .. إن العلاقة بين الفكر واللغة هي علاقة تكامل، فلا فكر بدون لغة وكذلك العكس، وما نلاحظه من عدم التناسب أحياناً لا يعود إلى اللغة وحدها التي تبقى مجرد وسيلة، وإنما العجز يكمن في من يوظف هذه الوسيلة. والواقع إن أسبقية الفكر عن اللغة هي أسبقية منطقية وليست زمنية، فقبل التعبير لابد من التفكير، ونحن في حالة التفكير فإننا نتكلم بصمت كما يقول واطسن: «إنّ الفكر ليس شيئاً أكثر من الكلام الذي يختفي وراء الصوت». للتواصل مع الكاتب [email protected]
#بلا_حدود