الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

الحب المثمر

أجمل المشاعر الإنسانية الحب، فهو الأيقونة الناجعة في العلاقات بين البشر، وهو الطاقة الأهم التي لم يذكرها علماء الفيزياء عند ذكرهم لأهم مصادر الطاقة، لأنه الدافع وراء كل الإبداعات البشرية والمنجزات الحضارية، ألم يكن دوماً المحرض على إنجاز كل المشروعات العظيمة. رغم ذلك فإن كل قصص الحب العالمية تنتهي بالفشل، روميو وجولييت، عبلة وعنتر، قيس وليلى، جميل وبثينة، وغيرهم الكثير الذين انتهت قصتهم إما بالانتحار أو التفريق أو الجنون أو الموت، وهو ما يمزق القلب على هؤلاء المحبين المخلصين الذين تلظوا بنار الشوق، تربط بينهم العهود والمواثيق وتفرق بينهم العادات والتقاليد أحياناً، وأحياناً الطبقية، والأقدار أحياناً. تمنيت أن أجد قصة حب ناجحة بحيث تنتهي نهاية سعيدة كما يتمنى العاشق، لكنني لم أجد .. حتى قابلت «نزهة وخضيِّر» قبل أيام، فتعرفت إلى قصة حب تشبه الأحلام والخيال، عمرها 78 عاماً، وعمره 80 عاماً، وهما من موطن الشعر والشعراء والمشاعر المتدفقة، شربوا الحب مع ماء دجلة والفرات، تعلق كل منهما بالآخر في السادس الابتدائي دون أن يميز ماهية العاطفة التي تشده إلى صاحبه، هو شعور دافئ يختلج صدره فترتجف أضلاعه وتبرد أطرافه ويتورد وجهه، ومرت الأيام وانتقل الشاب الذي كان صبياً من الكوت بجوار العائلة إلى الموصل للدراسة هناك، وهو ما يضطره للمرور ببغداد، حيث منزل الحبيبة مرتين في العام الدراسي. عند وصوله كان الجميع يلحظ لهفة كليهما، فهما لم يشعرا يوماً بأن مشاعرهما يجب إخفاءها، وهكذا وصلت إلى كل من رآهما، مشاعر نقية بريئة جميلة حميمة، فتعاطف معهما كل من تابعهما، لدرجة أن أمه وأباه طلبا من والدي الفتاة ألا يفرطا بها مبكراً، لأنهما يرغبان فيها لابنهم فور الانتهاء من دراسته دون أن يعلما بالحب الذي يربط بينه وبينها، ذلك لأن الحب وضوء الشمس وعطر الوردة لا يمكن تخبئتها أو حجبها عن الأنظار، وبالفعل انتهى الشاب من دراسته وكانت الفرحة الكبرى عندما تمت بينهما الخطبة، لم يحدث كما حدث في قصص الحب المعروفة أن يقف أمام النهاية السعيدة أي عائق، فالكل فرح بانتصار الحب، ذلك لأنهما نقيان فلم يثيرا يوماً استياءً من أي طرف في العائلتين والمحيطين، بل بالعكس، فقد كانا مبعث تفاؤل لكل من حولهم، يستبشرون بهما خيراً في مجيئهم وذهابهم، تلا ذلك حفل الزفاف واكتمل الرمز، فأصبحا في نظر الجميع رمز النجاح، يتيمنون بهما ويزفونهما بالدعوات من القلب، وعندما أنجبا، كان أول أبنائهما الإخلاص والثاني الوثاق والثالث العهد والرابع الشوق، وهكذا كانت ثمرات الحب الذي جمعهم تسير على الأقدام حولهم، فكل ابن من أبنائهما يجسد عنصراً من عناصر حكايتهما التي استمرت حتى كَبُر الأبناء وأنجبوا الأحفاد وكبر الأحفاد وأنجبوا. انتشرت حكايتهما وتناقلتها الأجيال، وهما مازالا في حالة حب لا تنتهي، يساعدها عندما يراها تطرز المفارش لتهديها لكل عروس من حفيداتها، فينسق معها الخيوط والألوان، وتساعده على العناية بصحته، شعرا بأن الحب هو ما يحتاجان إلى دفئه في صقيع أمريكا حيث يعيشان، بينما أبناؤهما وأحفادهما انتشروا في أصقاع الأرض فنشروا الحب أينما حلوا. آه يا عراق .. كم أنت في حاجة لقصص حب كهذه في كل حي وبيت، لترتبط أوصالك، وتعود البغددة إلى أرض بغداد، فلا السياسة ولا الاقتصاد، ولا مشاريع إعادة البناء، ولا خطط التعاون المشترك، ولا تشجيع الاستثمار الأجنبي، بقادرة على فعل ما يفعله الحب من نماء وانتعاش للوطن، لو أنك يا عراق تستقطب نزهة وخضيِّر وأبناءهما وأحفادهما لينشروا الحب ويوزعوه شتلات على الجميع. [email protected]
#بلا_حدود