الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021

الأشجار العطشى

تغيرت بوصلة النشر العربي بعد الحرب الأهلية اللبنانية لتتجه شرقاً هذه المرة وتحديداً باتجاه مدن الخليج العربي والتي احتاجت إلى بعض الوقت لتمحو نسبة كبيرة من إرث عقود طويلة من الحرمان والتخلف، واستطاعت بعد ذلك انتزاع الصدارة والمكانة من باقي دور نشر المشرق العربي والتي أصبح الكتاب فيها يعد ترفاً في نظر القابعين بخوف في أقبية المباني احتماء من قذائف الحرب وحلماً بعيداً للفقير الذي ستحول معدته الصارخة من ألم الجوع بينه وبين الاستمتاع بقراءة صفحات جديدة. ولكن الغريب في الموضوع أن انتقال أعمال النشر إلى المدن الخليجية الثرية لم يغير شيئاً في معاملتها للكاتب العربي، واستمرت في التركيز على الاحتفاظ بالجزء الأكبر من أرباحها بدلاً من استغلاله في تطوير الكاتب العربي والذي يعد مصدر أعمالها الأساسي، وتناست الحكمة القائلة «إذا كنت معجباً بالثمار التي يطرحها حقلك فاحرص على ألا تعطش أشجاره». وفي الوقت الذي يفتخر لاعب الكرة بقدرته على الركل والجري، وفي الوقت الذي يفتخر المغني بحنجرته، وفي الوقت الذي يفتخر حتى الساحر بقدرته على خداع المشاهدين فإن المؤسف أن الكاتب العربي هو الوحيد الذي يعد ما يمتلكه من موهبة هو هواية لا تفيد كثيراً ولا تعد ذات قيمة تستحق أن يقاتل من أجلها، ما سهل على دور النشر أن تتمادى في تجاهل حقوقه وتهميش مطالبه. استخدمت دور النشر نقطة الضعف هذه، واستطاعت أن تستغل الكاتب العربي أشد الاستغلال في سبيل تحقيق أكبر مقدار من الأرباح والشهرة والتقرب من خلال ذلك إلى أصحاب القرار في الكثير من الدول، لتحقيق فوائد أخرى استطاعت جنيها عن طريق إيهام الكاتب العربي بتوفير راعية صورية له لا تتعدى تكلفة طبع ونشر كتبه وإقامة ندوات نادرة وهزيلة، وأسهمت في تكريس كذبة أن العرب أمة لا تقرأ، وأن العمل في هذا المجال لا يحقق ربحاً مجزياً مع أن الدلائل تشير إلى عكس ذلك. يقول أحد أشهر الكتاب العرب إن الثمن الذي أتقاضاه من ناشري مقابل أعمالي لا يغطي تكاليف القهوة التي تعودت على شربها أثناء كتابتي أعمالي، لم يقم الناشر العربي الذي أتعامل معه منذ سنوات طويلة بتوفير أي دورة تدريبية لي في مجال عملي، وفوق كل هذا كان هو من يستأثر بالأضواء بدلاً من أن يشركني معه! ولم أفهم مقدار الظلم إلا عندما بدأت التعامل مع ناشر أجنبي لنشر كتبي في أوروبا. هل نرى تغيراً في أسلوب عمل دور النشر العربية أسوة بما يجري في العالم الغربي؟ وهل ستفهم دور النشر العربية أننا أمة تقرأ إن وجدت من يدعم الكاتب والقارئ؟ [email protected]
#بلا_حدود