الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

وداعاً يا أحبتي

قصة قصيرة للكاتب الإماراتي علي عبدالعزيز الشرهان ضمن مجموعته القصصية «الشقاء»، عن بحّار من الزمن القاسي أيام كان لسفينة البتيل، هيبتها حين كانت تستخدم للغوص وللتجارة البحرية، وتعيل بذلك مئات الأفراد. يحكي فيها البحّار عن عاصفة هوجاء كادت أن تقضي على سفينتهم وعلى ما فيها من حمولة، إلا أن إصرار الرجال وتعاونهم وتصرفهم الذكي في اللحظة المناسبة أنقذ الأرواح، وحافظ على ما أمكن من بضائع. يقول الشرهان في نصه «هدأت الأمواج الثائرة، انبعثت فينا روح الأمل تجمعنا، والتحمنا في عناق طويل، تفقدنا الجميع، التعب حطم قوانا، جروح متفرقة في أجسادنا لم تكن بالغة، تجمّعنا عند النوخذة نهنئه بالسلامة، خرج من غرفة القيادة، نادى بإحضار المصباح، تقدم يتفحص البضاعة، نحن مكلفون برمي الثقيلة منها، بعد جولة في البتيل وصلنا وهو في حالة غضب شديد، قائلاً من الذي تصرف بحماقة وفعل ذلك؟ سينال جزاءه». اقتضى عمل البحارة أن يشدوا الأشرعة ويحركوها، ويحافظوا على باطن البتيل جافاً من المياه وتنظيف السطح كذلك، وكان عليهم في لحظات الحسم واجب متعارف عليه ولا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو اختيار البضائع الثقيلة وإلقاؤها في البحر، للمحافظة على توازن وسلامة السفينة عند هبوب العواصف الخطرة، وهذا ما فعلوه، ألقوا بعض الأحمال الثقيلة ليحافظوا على الأرواح سليمة، إلا أن النوخذة الذي امتلك مصائرهم كما امتلك البتيل والتجارة لم يقبل بذلك، فكانت لعناته تنهال عليهم كالسياط: لا أريد أن أخسر. وعندما أدرك أن البحر لم يهدأ حتى ابتلع جزءاً من ثروته، أعماه الجشع والغضب، ولم يكن أمامه إلا الانتقام من الضعيف صاحب الحكاية فاستعبده بالدين ليستعيد بذلك جزءاً من خسارته، إنه استغلال رب المال لمن هم بحاجة للعمل من أجل العيش، أما البحّار الفقير فما كان يملك إلا الصمت والخنوع والقبول على مضض، يقول «شعرت بأن الأمر يعني مزيداً من الديون، بلغ بي الغضب حداً كدت معه أن أحطم رأسه وضغطت على أعصابي، نهايتي أعرفها، ولكن كل شيء هيّن في سبيل أولئك الذين يرتقبون وصولي بعيون الأمل». لم يكن أمامه إلا احتمال الإهانات والديون المتراكمة، إضافة إلى الوقوع ضحية آثار نفسية وعقلية لا تقل أذى عن الأضرار المادية التي أثقلت كاهله، وكأن الكاتب أراد أن يؤكد مشاعر الاغتراب والتهميش لقدرات البحّار الفكرية، فها هو يُعاقَب على التصرف الذي من المفتَرض أن يكافأ عليه، لأن سلطة النوخذة، السلطة المستبدة، من مبررات قوتها أن تستخف بالقدرات التفكيرية للبحارة، وبذلك يبقى البحّار محتاجاً، ولا يثق بعد ذلك بقدراته ولا بما يملك من موهبة أو رأي، أو رجاحة تفكير، وعليه ينعم من في الأعلى برغد السلطة، ويشقى من في الأسفل بعوز الحاجة، وتتسع الهوة بينهما. لا يختلف ما جرى للبحّار كثيراً عما يجري في بقاع أخرى من العالم، وفي أزمنة مختلفة، ولا فرق بين ظلم النوخذة واستغلال بعض الموظفين من أجل لقمة العيش حالياً، فالنظام الحديث أكثر تطوراً وحداثة في سلب الموظف وقته وأيامه وعمره، ليصبح العمل بذلك أعلى رغبة من رغبات الحياة بدلاً من أن يكون وسيلة من وسائل العيش، حينها يخضع العامل قدراته الفكرية والبدنية والذهنية لأرباب العمل، ومن أجل العمل فقط وللمؤسسة الوظيفية، فيتنازل ويطأطئ رأسه مقابل الراتب الذي سيحصل عليه نهاية اليوم أو حتى نهاية الشهر، إنها لقمة العيش كما يرى الكاتب، يقول «خرجت من المنزل بخطوات ثقيلة، وقفت بالباب قليلاً، سادني تفكير بالعدول عن الذهاب، لكن لقمة العيش، قررت الرحيل». لقد أُجبر البحار مرة أخرى على الالتحاق بالرحلة قبل أن يتسنى له نسيان معاناته، بل دون أن يمتلك حق الرفض، وهل يمتلك ذلك أصلاً؟ [email protected]
#بلا_حدود