الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

الدوافع الطبيعية محكومة بالأخلاق

لازلت أتذكر رأياً غريباً أطلقه شاب جريء عبر أحد مواقع الإنترنت، وكان فيما يبدو لي جاداً لا يهزل. أخذ الشاب يعلل في ثبات وثقة - بحكم أنه لا أحد سيعرفه بطبيعة الحال أو يتنبأ بهويته - تصرفاته التي يعتقد المجتمع أنها غير لائقة، وتجاوزه السافر للكثير من الحدود الموضوعة أمام الممنوعات والتي اكتسبت صفة المرفوضة بحكم العادة أو العرف، كان يؤكد اقتناعه التام بأن ما فعله من خرق لتلك القيم السائدة لم يحصل إلا بدافع الاحتياج الطبيعي الذي لا يفترض به كبته، إذ إن كبته كما يرى سيورثه المهالك والأتعاب النفسية، وبما أنه بشر فليس من الحكمة إيقاف هذا التدفق الطبيعي للاحتياج، والمفترض تعبئته بما يلزمه مادمنا على قيد الحياة، حتى وإن كان هناك اشتهاء للتعدي والجرائم وارتكاب الأخطاء فهو لم يأتِ من فراغ، ثمة دوافع منطقية تقف وراء هذه التصرفات. الفتى باختصار يطالب بتوسيع حدود الخطأ، وإعادة النظر في حكاية الممنوعات والمحرمات لأن لدى الإنسان بعض العذر عندما يتجاوزها وهو أنه محكوم بالدوافع الطبيعية. هنا أعترف بأنه من الخطأ ادعاء أن كل القيم والمثل الموجودة لدينا متوائمة كثيراً مع حجم الاحتياج الفردي ومن ثم الاجتماعي ومتصالحة معه، هناك مُثل نعي حجم التعقيد والتضييق فيها، ونراها كيف تقف عائقاً بين الإنسان وبين إشباع احتياجه، لكن هذا التعقيد ليس ذريعة مقنعة تنتهي بنا إلى تخلية الجو كاملاً لنيل الاحتياج وحده بأي ثمن وأي طريقة، مع ركل المثل والقيم والتفكير العقلاني على الرصيف، فللأخلاق أوجه عدة ليست دائماً متعارضة مع الدوافع الطبيعية، هناك أخلاق تحقق الاحتياج بالتوازن، وهناك أخلاق تلغي الاحتياجات كلياً، وهذا النوع الأخير يفشل في الصمود فترات طويلة. القيم التي يفترض أن تسود بين الناس مع احترام بشريتهم هي تلك التي يكون فيها الانسجام قائماً بين ما تتطلبه الطبيعة وبين الأوامر والخلق التي يصدرها العقل، لكن بدون هذه الأخلاق التي تنظم عملية الاكتفاء وقت الاحتياج، والانشغال فقط بتلبية النداء الطبيعي لهذه الرغبات دونما التفات لهذا المنظم قد يحيل المجتمع إلى قطيع من الوحوش الأنانية تنهش بعضها بعضاً، فسلوك الإنسان في الكثير من الأحيان غايته الأولية تحقيق منافع شخصية إن لم يتم ضبطه وترويضه منذ البداية. [email protected]
#بلا_حدود