الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

ذيل تاريخ الخلفاء (2)

في العام ١٨٩٠ وردت أنباء من الصحف الأوروبية تتحدث عن بدء تدريبات مسرحية في فرنسا تمثل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فأرسل عبدالحميد خطاباً إلى رئيس الجمهورية الفرنسية مع نيشان امتياز فأوقفت المسرحية، وكذلك عمل عبدالحميد على منعها في إنجلترا وأمريكا، ومنع مسرحية تسيء إلى السلطان محمد الفاتح في روما مستعيناً بصديقه إمبراطور ألمانيا «ويلهلم»، وسعى لوضع حد للدعايات المضادة لدولته ففكر جدياً بشراء جريدة التايمز الشهيرة، لكن عدل عن الأمر دون أن يعرف سبب ذلك. افتتح عبدالحميد في العام ١٨٩٩ كنيس «حمدات» اليهودي في إسطنبول والذي يرمز اسمه لاسم عبدالحميد، وللمرة الأولى في - تاريخ المسيحية والفاتيكان - نرى اسم خليفة معلقاً على مدخل كنيسة كاثوليكية وهي كنيسة سانتا ماريا لأنه أسهم في بنائها. سياسياً، كان أعداء عبدالحميد يلقبونه بالسلطان الأحمر نسبة إلى الدم، وصبوا عليه وافر اللعنات والشتائم، واستعانوا بفرنسا وإنجلترا وبلجيكا ضده، لكن بعد تنحيته وتتالي هزائم الحرب العالمية الأولى على «الرجل المريض» ارتفعت علامات الندم عند هؤلاء المثقفين، وقال بعضهم لو كان على رأسنا لفعل المستحيل ليضع دولته على الحياد في حرب أوروبية بحتة، ثم أحصوا عدد الإعدامات التي صادق عليها السلطان فوجدوها ١١ شخصاً وكان إعدامهم لأسباب دامغة مثل قتل الأمهات وارتكاب المذابح. عندما حاول الأرمن اغتيال عبدالحميد في العام ١٩٠٥ بإلقاء قنبلة عليه بعد صلاة الجمعة وأنقذه حديثه مع مفتي السلطنة، ألقي القبض على الجناة وأمر عبدالحميد بأن ينضم للقضاة قضاة غير مسلمين من الروم والأرمن واليهود، وأصدرت المحكمة حكمها بإعدام ١١ شخصاً منهم «جوبس»، كما كان متوقعاً عفا عنهم السلطان وأصبح أحدهم عين السلطان في المحافل الأوروبية. كانت أمريكا قوة صاعدة وكانت تسعى جاهدة لرفع التمثيل الدوبلوماسي العثماني في واشنطن إلى درجة سفير، لكن السلطان كان يماطل، وكان الأمريكان يضغطون عليه من أجل تسهيل عمل المدارس التبشيرية وكادت تقوم حرب بحرية بينهما، فلعب عبدالحميد بالسياسة وأخذ «روزفلت» إلى بحر مرمرة وأرجعه عطشاً حتى اعترف الأخير أن عبدالحميد لغز غامض لا يمكن توقع أفعاله. كلنا يعرف قصة عبدالحميد مع هرتزل حينما رفض بيعه فلسطين بملايين الجنيهات الذهبية، لكن ما لا يعرفه الكثير أن عبدالحميد قلد هرتزل أرفع النياشين العثمانية تقديراً لحماسته في سبيل قضيته وأمته، وكان ذلك على سبيل «شراء الذمة» لتخفيف الضغوط على الدولة العثمانية في المسألة الأرمنية، وليكون عين عبدالحميد في المؤتمرات الصهيونية، ولم يمنحه السلطان في المقابل أرضاً في فلسطين وظل يماطل مع اليهود ليمنحهم أرضاً خالية في مكان متطرف في الدولة العثمانية. وعندما كانت تراجعه الدول الأوروبية في موضوع اليهود كان يرد عليهم بأنهم يسعون لطرد اليهود من بلادهم، وكأنهم لم يكفهم أنهم لم يعملوا على توفير الأمن لهم في أراضيهم، فصاروا كمن يفرض عليك ضيفاً بالقوة في بيتك ثم يسائلك بين الفينة والأخرى لماذا لم تعتن بضيفك كما يجب؟ لم ينسَ اليهود لعبدالحميد صنيعه معهم، ولعله كان من سبيل الصدفة والمؤامرة معاً أن يكون اليهودي «إيمانويل قره صو» النائب في البرلمان العثماني من الوفد الذي أبلغ السلطان بقرار عزله. عندما رأت حكومة الاتحاد والترقي سفن الإنجليز والفرنسيين تصل سواحل إسطنبول كانت قد اتخذت قراراً بنقل العاصمة من إسطنبول إلى الأناضول، فأرادوا نقل عبدالحميد المعزول معهم من سلانيك إلى قونية حفاظاً على سلامته، فرفض ورد عليهم أن سلانيك هي مفتاح إسطنبول فكيف تترك للعدو؟ ورفض التحرك إلى أي مكان، وحينها قال أنور باشا لجمال باشا (لقد أردنا الطورانية فأصابنا الهلاك، إن أساس أخطائنا ومسؤوليتها يكمن في عدم فهمنا لعبدالحميد حتى أصبحنا أدوات للصهيونية .. إنه اعتراف مؤلم). نختم بمقولة نادرة لمصطفى أتاتورك - مسقط الخلافة العثمانية - في العام ١٩٣٧ خاطب بها أحد الصحافيين الذين طعنوا في عبدالحميد، فقال له (أن تكره عبدالحميد فلا بأس عليك، ولكن إياك أن تسيء إلى ذكراه، لقد أثبتت تجارب الأيام أن إدارة عبدالحميد لدولة عظمى تعيش على أرضها شعوب كثيرة مجهولة المصير، وحدودها مطرقة بالأعداء، كانت تتمتع بالتسامح الأعظم خصوصاً عندما تكون في أواخر القرن الـ ١٩). [email protected]
#بلا_حدود