الخميس - 01 ديسمبر 2022
الخميس - 01 ديسمبر 2022

لأنها لا تخصهم

في مرويات التراث القديمة حكاية عن راعٍ كان شديد الإهمال واللامبالاة بنوق سيده التي وضعت في ذمته، ولما سئل عن سبب إهماله ذاك أجاب: «لا النوق نوقي .. ولا حليبها يبلُّ ريقي». يبدو أن هذا المبرر الذي جاء على لسان الراعي شائع الاستعمال بين شريحة واسعة من هواة تشويه المرافق العامة، وأولئك الذين يحاولون تأكيد حضورهم عن طريق كتابة كلمات هابطة على الجدران أو عبارات تعاني الكساح الأدبي، لكن يعتقد متوسطو التعليم أنها بليغة جداً، ولذا فهم يجتهدون في تسويد نصاعة الجدران بها للبرهنة على ذوقهم الرفيع، ومادامت هذه المرافق برأيهم لا تخصهم ولا تخص أهليهم فهي بالتأكيد عرضة لاستقبال ما في أنفسهم من استهتار وجوع إلى التلويث والإفساد بأي ثمن. برأيي أن الياباني نوتوهارا في كتابه ذائع الصيت (العرب من وجهة نظر يابانية) كان قد أعطى تفسيراً مختصراً ووافياً لهذه الظاهرة، فهو يقول: «يُتلف المواطنون المرافق العامة أو يسيئون استخدامها لشعورهم بأنها لا تخصهم وبأنها أملاك غيرهم». هذا الشعور بعدم الانتماء يضاعف من حدة السلوك وينتزع المسؤولية من دواخلهم، ونتيجة هذا تنمو اللامبالاة ويذبل التعاطف .. لن يحدث هذا التشويه إلا وغياب المسؤولية طرف فاعل فيه، وكل جرعة تقرب من الانتماء فهي تقرب من الشعور بالمسؤولية عن كل مكونات البلد بالتساوي. ثم إن الكبت في التعبير عن الغضب أو القهر أو الغيظ في البيت أو المدرسة أزمة عنيفة تجتاح بعضهم بالفعل، هكذا لا يوجد مكان يتحمل انفجارهم على الإطلاق فيبحثون لهم عن مخرج للتنفيس، ويبرهنون على تحضرهم بهذه الطريقة الشنيعة، وهنا يكون الجدار وسيلة مثلى للفضفضة العامة، وأثق أنه لو توقف أمام تلك الكتابات أي خبير نفسي فسيتمكن لا محالة من فهم الكثير عن النوازع المكبوتة لدى هؤلاء الناس. يكمن الحل في تسريب الإحساس بالمسؤولية إليهم، وتكريس حقيقة أن الممتلكات العامة في الواقع تخص كل فرد، وليست حكراً لطرف واحد دون الآخر، ومن ثم تعميق جملة من الأخلاق لا يكون دافعها الخوف والحذر، والأمر الآخر هو السماح بقدر من التنفيس والأريحية وإبداء الرأي، ابتداءً من البيت، مروراً بالمؤسسات التعليمية حتى لا تكون المرافق العامة والجدران وسيلتهم الوحيدة، ومن ثم استمرار الرصد المكثف بحثاً عن بقية الدوافع لمعرفة كيفية التعاطي معها حتى تتلاشى هذه الظاهرة.