الاثنين - 28 نوفمبر 2022
الاثنين - 28 نوفمبر 2022

السفر نحوك

لا متعة في الأشياء من حولك ما لم تسافر معها .. نعم تسافر بعيداً مع حقيبة مليئة بالشغف والإحساس وروح تحثها الرغبة في نهل المزيد من المعرفة ومعايشة اللحظة بأدق تفاصيلها وجزئياتها. السفر لا يتطلب دائماً اختيار بلد ما .. ولا جهة تطير لها بعد أن تعد حقيبة ملابسك ونقودك وتختار من وقتك المقبل أياماً محددة لتذهب فيها وتعود منها، يمكنك أن تسافر في كوب شاي .. مع رائحة القهوة أو عبق عطر .. يمكنك أن تسافر مع أغنية أو بين أبيات قصيدة، يمكن للوحة تأسر قلبك أن ترحل بك لبلدان وتجعلك تدخل أي مدينة، يمكن لأي فعل تمارسه أو حدث صغير أو كبير يمر بك أن يمنحك سفرة مختلفة .. فقط أطلق لروحك تلك الرغبة الجامحة التي تتملكك أمام كل ما يسبب لقلبك زيادة خفقان .. قلبك الذي يحاول أن يسافر فيك ويأخذك إلى عوالم أخرى، لك فيها مقتنيات خاصة استهوتك وتغلغلت في أعماقك ولا تعني أحداً غيرك. ماذا لو تفعل ذلك، وتمضي في هذه الحياة وكأنك مسافر مع كل ما حولك؟ .. تلقائياً ستقوم بتقدير الأشياء بشكل مختلف، وتميز أجملها وأقربها لك .. وستعرف لها ومنها فوائد أخرى. كما أنك لن تهملها، ولن تعبر بقربها عبور المتيقن من وجودها في أي وقت احتجتها .. سيمتزج الحرص والتقدير ومشاعر عديدة تقبل عليك في أي سفرة تقضيها مع ما تختار مما أمامك رحلة لك، أو هجرة داخلية منك وإليك .. تحاول فيها تقديم متعة ما هدية لروحك، تلك الروح التي إن تمعنت فيها جيداً قد لا تجد ملامح السعادة القيمة مترسخة لأنك نسيت أو غفلت عن السفر داخلك. تحتاج ما بين وقت ووقت أن تأخذ نفساً صحياً عميقاً ينبع من رغبة صادقة بأن تهنأ روحك بما حولها وما هو لها، مما خصصه الله لها من نعم وقدرات على التمتع بجمال الحياة، وإن كان ذلك بتفاصيل صغيرة قد لا تتوقع حجم الفرح الذي يمكنها أن توفره لك .. إلا أنك تحتاج لأن تحاول وتبادر نحوك أكثر في كل ما هو حولك وذلك لتكتشف مصادر سعادتك الخاصة والتي لا يتوجب بالضرورة أن يعرفها الجميع .. فليس كل من هم حولك يمكنهم استيعاب شكل هذه المصادر .. يتوجب التوضيح أو ربما لتبرئة الذمة، موضوعي هنا عن كل مصدر يصنف حلالاً ومعقولاً في حدود الشرع والإنسانية! لا أتحمل مسؤولية أولئك اللذين يصدرون سعادتهم من أماكن داكنة! نتائج السفر نحوك ستكون منبهرا بهاً، لأنها ستشبه ما عشته في رحلتك، ولأن ما تغدقه عليك من سعادة وراحة وهدوء أو سكينة سينعكس تماماً على ملامح وحركة جسدك وأفكارك ورؤيتك للأمور .. ستجد نفسك تلقائياً إنساناً متأملاً في كل شيء .. تحاول أن تكتشف مكامن راحتك .. تتلمس سبيلك الأقرب لتنهل منه شيئاً من فرح. كما أنك إن سافرت فعلياً إلى أي مدينة ونقلت جسدك وروحك جغرافياً فلن تكون كأي مسافر سائح، من يعرف كيف يسافر نحوه مع الأشياء والتفاصيل سيعرف كيف يسافر سفراً حقيقياً يتفاعل فيه مع مدينة ورائحة وملامح، فوائد السفر لن تحصل عليها ما لم تنبع منك أولاً .. ولا مجال لوجودها فيك ما لم تحلق في سفرات داخلية إليك، لا يهم شكل السفرات أو أسبابها لأنها تختلف من شخص إلى آخر، لكنها تعكس لك على سطح الحياة الصورة الأقرب التي دائما تود (لو) تكون عليها .. ولأننا لا نعيش هذه الحياة سوى مرة واحدة فلا بد لنا من محاولة السفر إلى تلك الخلجات المنسية، الخلجات التي ما إن تجتهد للبزوغ نهملها أو لا نعطيها حق قدرها منا .. من وقتنا وتأملنا. [email protected]