الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022
الثلاثاء - 29 نوفمبر 2022

نكبة العمر

عندما ترى كلمة (العمر) مضافة إلى كلمات أخرى، مثل (ليلة)، (بيت)، (سيارة) يجب أن تلزم أقصى درجات الحذر، وأن تفكر ألف مرة قبل أن تمد يدك إلى جيبك لتخرج منه محفظة نقودك، أو دفتر شيكاتك، أو بطاقتك الائتمانية، ويجب أن تدرك جيداً بأنه ثمة نيات تسويقية تقف وراء إضافة هذه الكلمة السحرية التي من شأنها أن تؤثر كثيراً في عقلك الباطن، وتقنعك بضرورة دفع كل ما تملك دون اعتراض، أو مناقشة. وللأسف الشديد توجد أطراف أخرى من المحيطين بك تتدخل لدعم هذه النيات، وتزيد من تأثير هذه الكلمة عليك، فعندما تعترض على ارتفاع تكاليف حفل زفافك تجد أقرباءك يقولون لك بلهجة لائمة «إنها ليلة العمر، ولن تتكرر في حياتك مرة ثانية، وبالتالي من المهم أن تخرج بالشكل اللائق» فتضطر حينها لأن تفرغ كل ما في جعبتك من نقود، لتتجمل في عيون الناس حتى وإن اقتضى الأمر حرمان نفسك وزوجتك من أشياء أهم، وأكثر ارتباطاً بسعادتكما من حفل الزفاف الباذخ. ويتكرر الأمر نفسه عندما تفكر في بناء منزلك، فعلى الرغم من تناقص عدد أفراد الأسر الخليجية الحديثة، إلا أن المنازل آخذة في التوسع الأفقي والرأسي، فبدلاً من أن تكتفي بالأرض التي منحتك إياها الحكومة تجد من يشجعك على شراء الأراضي المجاورة، طمعاً في فناء أوسع، ووجاهة أكبر، وبدلاً من أن تكتفي بفيلا متوسطة من طابقين تتضمن خمس غرف نوم، ومطبخين، ومجلسين، وصالتين، وغرفة طعام، وغرفة ألعاب، وتسع حمامات، تجد من يقترح عليك إضافة طابق ثالث، تخصصه لجلسة تلفزيون دائرية واسعة، تمنحك مشاهدة بانورامية لمظاهر الطبيعة من حولك، وتمنحك ميزة لا يمتلكها معظم أبناء حارتك. هذا النمط السلبي من التفكير، وهذا الاستسلام المريع للحملات التسويقية المستعرة دفعني قبل فترة إلى طرح استبيان مبسط عبر حسابي في «تويتر» قلت فيه: شهر عسر حالم بميزانية لا تتجاوز ثلاثين ألف درهم يسعدني أكثر من حفل زفاف باذخ يكلفني نصف مليون درهم. وطلبت من المتابعين إعادة التغريد في حالة موافقتي على القناعة نفسها، وفوجئت بعاصفة من إعادة التغريد لم تهدأ إلا مع الساعات الأخيرة من الليل، والملفت للنظر أن أكثر هذه الموافقات جاءت من مغردات في مقتبل العمر قد يجدن أنفسهن أمام هذه المفاضلة في أي لحظة. هذه النتيجة عززت في نفسي قناعة قديمة، وهي أن المشكلة لا تكمن في الأجيال الشابة، بل في الأجيال التي تكبرها، والتي مازالت تفكر في كلام الناس أكثر مما تفكر في مصلحة فلذات أكبادها، لتتمخض تدخلاتهم السلبية عن مديونيات ضخمة، تتسبب في تأزيم حياة عرسانهم الجدد منذ بدايتها. [email protected]