الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022
الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022

انفصام الشهية

يحدث أحياناً لأسباب نفسية أو طبية أن تقل نسبة الأملاح والمعادن وبعض الفيتامينات في الطعام الذي يحصل عليه الأطفال في سن النمو أو الحوامل، بسبب التطور الجنيني لأجنتهن، فتحتاجها أجسامهم بشدة، لذلك يلجؤون لتناول مواد غريبة كالتراب، أو الصابون، أو يقضمون أظافرهم رغم أنهم ما كانوا ليتذوقونها بألسنتهم لو كانوا بكامل وعيهم. ولأن الذوق السليم ملَكَة عند الإنسان تنبني على أصل في الفطرة البشرية، ويزن بها الأمور المادية كتذوق الطعام ومعنوية، كتذوق السلوك والجمال والإحساس به، ليصل لاتزان ذاتي، فإن هذه الحالة الطبية تسمى انحراف الشهية، أو ما يطلق عليه علمياً شهوة الطين geophagia. وحين يحدث هذا الانحراف في الذوق العام، فإنه بلا شك دليل لعوز نفسي حقيقي في أدبيات وسلوكيات ثابتة، ولن يكون الحديث عن الأطعمة الغريبة فقط هو المشكلة، لأن المشكلة الحقيقية سابقة لذلك، «فالحكم على شيء إنما هو عن أثر الذوق فيه» كما يقول مصطفى صادق الرافعي الشاعر والكاتب المصري، ولأن «المكون للاشعورنا الجمعي قائم على مقاييس تدفعنا إلى تمييز الجميل من القبيح، والذي يدلل على مدى وعينا الجمالي المبني على خبرات مكتسبة من اطلاعاتنا ومدركاتنا الحسية، ومدى تطورها لدى ذائقتنا الشخصية» كما يقول الفيلسوف السويسري كارل وستاف يونغ، فإن ذوقنا العام يعيش أكثر أيامه اضطراباً. والأمثلة كثيرة لا حصر لها وللأسف، منها أن يظهر في إعلان تلفزيوني رمضاني لمحل حلويات، بقلة ذوق غريبة كيف أن صاحبة المنزل تخفي عن ضيوفها علب الحلويات في خزنة خاصة بقفل ورقم سري! أو أن يتغنى شبان بأغنية عنوانها «البنات كثر النمل» وبها تبدأ كلمات الأغنية، وتنتهي بما يندى له الجبين، أو أن يمنح بنك إسلامي حساب الأطفال لديه اسم «شاطر»؛ الكلمة التي تعني بالعربية قاطع الطريق! ولا بهيئة صبية وفتيات يرتدين ملابس في أماكن عامة لا تمت للذوق وللأدب بصلة، أو.......، أو....... ورغم وجود مشاهد أخرى في قمة الذوق، إلا أن هذا التذبذب لمستوى ذوقنا، مستمر بالانحدار ساعة نحو «الطين»، وبالارتفاع ساعة أخرى نحو إرثنا الحضاري والديني والثقافي في دليل على أن شهيتنا، ولنقص في تغذية وعينا، لم تعد تميز كثيراً بين ما هو صالح للتذوق، وبين ما هو بلا صلاحية أصلاً، وهذه حالة نفسية مستعصية أكثر من انحراف الشهية ذاته!