الخميس - 08 ديسمبر 2022
الخميس - 08 ديسمبر 2022

7 نوافذ

صالحة عبيد كاتبة إماراتية «أريد أن أفتح نافذة في كل جدار، أريد أن أضع جداراً في وجه من يغلقون النوافذ» رياض الصالح الحسين. ( 1 ) كانوا يريدون منا الإيمان التام بالجدران يوم اكتشفنا النوافذ، ويوم اندلقت الشمس من خلالها ككأس ماء لكزه طفل، الطفل الذي استلهمنا منه أن الحذر لن يفضي إﻻ إلى ركام آخر من العقول اليابسة والحماقات المسلم بها، يا الله يا «رياض» كم أن خزينا عريق أمام عمرك القصير المتوحد مع الريح، أمام مجدك الدقيق في جزالته، أمام لهاثك يوم اندفعت تهشم الجدار، لأنه كان يحجب العدالة التي ستمنحك النزهة الراكضة الطويلة كالأبد مع حبيبتك الطيبة وأشجار البرتقال. ( 2 ) عينان تريان ما بعدَ الهوةْ .. رجل فارع وحمامة تحط على ساعده الأيمن من كفه تبزغ شجرة .. التفاتته الحادة أجزعتك لكنه يبتسم ويمضي إلى حيث يواجه سؤاله بضراوة، ويتركك حيث تجابه حيرتك البليدة بالمزيد من الطين اللزج، حيرتك التي تسدها بالمزيد من الجدران، تلك التي تستخلص قوامها من قامتك اﻵخذة بالتآكل. عينان تريان ما بعد الهوةْ ﻻ جحيم آخر خلف النافذة الجحيمُ في رأسك أنت ( 3 ) التاسعة إلا خمس دقائق صباحاً. النافذة صدئة وموصدة. الشرفة إﻻ حب .. إﻻ عصفور .. إﻻ انتظار .. إﻻ وردة .. إﻻ نظرة .. إﻻ صوت .. إﻻ كرسي إﻻ فنجان .. إﻻ كتاب .. إﻻ فتاة .. إﻻ أرق .. إﻻ شاب .. إﻻ أغنية .. إﻻ تحية عابر .. الشرفة إﻻ نحن .. الشرفة الخشنة بعد شجار .. الشرفة دون نافذة تقيس على وقع الشمس درجة نفاذك إلى قلبي، تحجب مرغمةً هوائك عَني، أنا الزاوية التي كانت أغبى من أن تبدد دهاء العتمة بشق نور يوم تركتك تمضي، يوم منحتك الساق التي غادرت بها من باب النص، وأخفيت عنك جناحك. ( 4 ) بطلها الأعرج ترك خطوة ناقمة وقصاصة : إذا أراد بطلك أن يختبر التحليق ابتدع له الشباك، وﻻ تخشى الهشيم اللاحق، لأن الهشيم كالرماد، والرماد ابن الريح، والرياح رسولة السماء، والسماء ربة الأجنحة، حيث الحتف المضمون يتحور ليصير نجاته الأكيدة. ( 5 ) من للكتب الوحيدة في ظلام المكتبة، أو من لهذا الكم المهول من النوافذ المغلقة عنوة، أتساءل بعد كل فعالية احتفائية بالكتب، معارض الكتاب وما نحوها عن مصائر الكتب المهداة، الكتب الأخرى على الجوانب بأغلفتها الباهرة، الأفكار، وعن القائمين خلف كل كتاب، في بقعة الضوء التي ما إن تخفت، هل ندرك حقيقة وضع العقول التي خلفها، أم أننا نكتفي بأغلفة الوجوه من سطحها كما قد نكتفي بقشرة الكتاب الظاهرية، هل نملك أن نوسع نافذة المشهد لنفهم أي فكرة حقيقية تستتر خلف الابتسامة، أو الاسم الذي نحيي صاحبه بعبور بسيط أمام كل لقاء؟ هل لنا أن نسمح للمسارات المتوازية للعقول بأن تنعطف نحو التقاطع لتصبح عميلة التبادل الفكري أكثر نضجاً وأبلغ مقدرة على صياغة نفسها بحيث تعطي صورة أوضح عن المشهد الثقافي بمكان؟ لماذا لا نقرأ الأصدقاء قبل الأسماء الكبيرة؟ تأخذني هذه النافذة معها. (6) هاجسها المضيء كنجمة يبقي نافذتها مشتعلة قلقه الطويل كليل شتوي يجعله متحفزاً كعمود إنارة، وكلاهما ينسيان وجوب إزاحة الستار حتى ينجلي المشهد، كاشفاً نهاية الانتظارات المديدة. ( 7 ) وما بين كل شباك وشباك هناك جدار، لولاه لما استقامت الشبابيك لما ارتفعت، أو بالأحرى لما كان لها معناها، والأمر الذي ذهب إلى جدوى وجودها، وكل بشري يمثل شباكاً بدرجة أو بأخرى، أما الجدار فهو كل ما تشكل بداخله حتى نهض ليطل على العالم مستنداً على تلك التراكمات؟ قد تأتي لتمثل الموروث الثقافي والمجتمع للنسيج العام، للكل تلاه الخاص الذي يمثله، وعليه يفتقر البعض لموازنة، فيصير شباكه جداراً، لشدة ما انكفأ على تقديسه، فيما يذهب النوع الآخر إلى أن يفقد عن رحبة تحرر كل ما له صله بأصل شكله، فلا يغدو إلا ثقباً ليس للآخر أن يرى من خلاله إلى الفراغ. [email protected]