الاثنين - 28 نوفمبر 2022
الاثنين - 28 نوفمبر 2022

قصة جميلة

أورد ابن حبان، رحمه الله، في كتابه الثقات في ترجمة أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي التابعي المشهور قصة جميلة أحببت أن أنقلها للقراء الكرام بشيء من الاختصار، فروى بسنده عن عبدالله بن محمد قال: خرجت إلى ساحل البحر مرابطاً، فإذا أنا بخيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه، وثقل سمعه وبصره، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه وهو يقول: اللهم أوزعني أن أحمدك حمداً أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها علي، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلاً. قلت: والله لآتين هذا الرجل ولأسألنه أنى له هذا الكلام؟ فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها، وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها؟ قال: وما ترى ما صنع ربي والله لو أرسل السماء علي ناراً فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني ما ازددت لربي إلا شكراً، لما أنعم علي من لساني هذا، ولكن يا عبدالله إذ أتيتني لي إليك حاجة، لقد كان معي ابن لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضيني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام فتحسسه لي رحمك الله. فمضيت في طلب الغلام فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع، وأكل لحمه فاسترجعت، فلما أتيته سلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟ قال: بل أيوب النبي، قلت: هل علمت ما صنع به ربه أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟ قال: بلى، قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً شاكراً حامداً، قلت له: إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل، وقد افترسه سبع، فأكل لحمه، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، فقال المبتلى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقاً يعصيه، فيعذبه بالنار، ثم استرجع، وشهق شهقة فمات. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي: رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع، وإن قعدت لم أقدر على ضر ولا نفع، فسجيته بشملة كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكياً، فبينما أنا قاعد، إذ تهجم علي أربعة رجال فقالوا: يا عبدالله ما حالك، وما قصتك؟ فقصصت عليهم قصتي وقصته، فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه فعسى أن نعرفه، فكشفت عن وجهه، فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مرة ويديه أخرى، ويقولون: بأبي عين طالما غضت عن محارم الله، وبأبي جسم طالما كنت ساجداً والناس نيام، فقلت: من هذا يرحمكم الله، فقالوا: هذا أبو قلابة الجرمي صاحب ابن عباس، لقد كان شديد الحب لله وللنبي، صلى الله عليه وسلم، فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا، وصلينا عليه ودفناه. فانصرف القوم، وانصرفت إلى رباطي، فلما أن جن علي الليل وضعت رأسي، فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة، وعليه حلتان من حلل الجنة، وهو يتلو الوحي (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) فقلت: ألست بصاحبي؟ قال: بلى قلت أنى لك هذا؟ قال: إن لله درجات لا تنال إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء مع خشية الله، عز وجل، في السر والعلانية. [email protected]