الخميس - 08 ديسمبر 2022
الخميس - 08 ديسمبر 2022

جيران يملأون الزمان والمكان

تقول «ما إن أودع أبنائي الذاهبين إلى المدرسة، وأستنشق الصعداء حتى تتصل عبر الهاتف الأرضي منذ الصباح فلا أرد، لأن الوقت بكل بساطة ليس الوقت المناسب لحديث الجارات، إذ أدرك أنها ستسألني لماذا لم أرد، هل أدعي أنني كنت نائمة؟ بالتأكيد لا مجال لذلك، لا بد أنها قد رأتني عبر النافذة مع الأبناء في انتظار الحافلة المدرسية، لا أنتهي من تساؤلاتي حتى أسمع صوت الهاتف المتحرك يلح برنين متواصل، هنا لا بد أن أرد، لأنني إن لم أفعل ستستمر في الاتصال، وسأستمر أنا في حالة انزعاج، وعندما أجيبها أخبرها بأنني مشغولة، فأكون بذلك قد أعطيتها مفتاحاً للحوار: بماذا مشغولة؟ هل تريدين مساعدة؟ إذا كان الطبخ، فأنا مبدعة في الطبخ، أعلمك طرقاً ممتازة، إذا كان ترتيب المنزل، فلن أزعجك، سأجلب معي الخضار لأغسلها وأقطعها ونتحدث، وأنت تنظفين المنزل، وهي فرصة لأريكِ صور رحلة البارحة. وتستمر في وضع الاحتمالات والتوقعات والحلول لكل منها قبل أن تترك لي الفرصة للإجابة عليها، فأضطر لاستقبالها، لأنني إن لم أفعل، أخشى أن أفتح حنفية المطبخ فأجدها تخرج منها، تأتي ويمضي الوقت في تحضير لوح التقطيع لها، كي تقطع خضارها، والبحث عن وعاء لها تضع فيه خضارها، ثم التفرغ لمشاهدة صور الرحلة، وهذا أصعب المهام، لأن وراء كل صورة حكاية، وعقارب الساعة لا تنتظر لتمنحني حصتي من الوقت، تستمر بالدوران، فيمر الوقت دون أن أرتب بيتي، أو آخذ قسطاً من الراحة قبل الشروع في تحضير الغداء، وما إن أنوي حتى أجدها تملأ كل زاوية من زوايا المطبخ. أترك لها الجمل بما حمل، وأذهب للصالون في جلسة استرخاء لعلي أتمكن من ضبط أعصابي التي تلفت، وأنا أكظم الغيظ، مخافة أن أزعجها بلفظ، أو أسبب لها إيذاء نفسياً، لكنني أكاد أختنق، ثوان قليلة وتتبعني، لتقضي على البقية الباقية من أعصابي متسائلة: ما هذا الكسل؟ ألا تحضرين الغداء لأبنائك؟ لم تفعلي شيئاً منذ أتيت! متى ستنجزين ما عليك؟ أنا أريد مساعدتك، لكن الخضار ستذبل يجب أن أقلبها بالزيت وأتمم الطبخة، اسمحي لي بالذهاب، لن أتأخر عليكِ، سأتصل لأطمئن. وتذهب، وأكون حينها بحاجة إلى كوب من الشاي لأعيد توازني، وأرتب أفكاري، وأحدد كيف أدير المتبقي من الوقت، كي أنجز مهامي. أدخل المطبخ لعمل الشاي، فأجده يصرخ من الفوضى منادياً، كي أعيد له توازنه، فأفعل، ويمر الوقت قبل أن أعمل الشاي، أنظر للساعة لأقسم الوقت على المهام، فأجد عقاربها تلدغني معلنة عن الوقت الذي أزف وقارب على الانتهاء، معاتبة لأنني لم أستثمره، أو أملأه لو بإنجاز واحد، فأركض كمن أصابه صرع، أعمل وأعمل قبل قدوم زوجي وأبنائي، في تلك الأثناء رن جرس الهاتف مئة مرة، وطرقت أناملها باب المنزل مرات، لكنني قررت ألا أجيب». [email protected]