الأربعاء - 07 ديسمبر 2022
الأربعاء - 07 ديسمبر 2022

وطني .. أجمل ما في الحياة

جلس الرجل الطاعن في السن الذي سيكمل القرن من العمر بين أولاده وأحفاده وأبناء أحفاده ليحدثهم عن تلك الأيام التي عاشها لسنوات طويلة وهو مبحر بين منطقة وأخرى وبين ميناء وآخر، في الليالي المظلمة والشواتي الممطرة في (محمل) يحمل الأنفس على ظهره .. وكل نفس فيه تنشد في ذاتها لوعة فراق الأحبة وصعوبة المعيشة وقلة الزاد وقسوة العمل والرجاء والأمل .. ووسط الأمواج الصعبة التي يصارعها المحمل البسيط تتعالى الأدعية والصلوات والابتهالات ليكون هناك يوم آخر وأمل جديد. كان ذلك الشاب الذي ما إن بلغ حتى وجد نفسه يعمل منذ الصباح حتى صلاة المغرب بلا راحة .. يعمل على مدار الساعة لمدة عشرة شهور بالسنة ليحظى بعد ذلك بالعودة إلى تلك الدار العتيقة البائسة، وعليه في كل ليلة أن يحمد الله في صلواته أن مد الله في عمره يوماً جديداً رغماً عن قسوة الظروف في ذلك البحر القاسي. لقد كبر ذاك الشاب، ولم تهزمه تلك الرياح العاتية ولا البحار المخيفة ليعود إلى وطنه لينعم بدفئه لأيام ويعود مجدداً في رحلة العمل المضنية، حتى حانت لحظة العودة لحضن الوطن للمرة الأخيرة وتحقق الحلم. «كانت أياماً صعبة .. كبرت وكبر معي الوطن، وفي كل لحظة من اللحظات الصعبة التي عشناها في ذلك القارب كنت أحلم بالوطن، وكنت أنشده وأعمل من أجل أن يكون واقعاً فعلياً».. قالها الرجل المسن وهو ينظر إلى بريق أعين أبنائه وأحفاده ليتنهد ويضيف «من كان يصدق بأن يأتي زايد، رحمه الله، لكي يؤمن الخائف ويطعم الجائع ويقيم دولة عدل وأمان بعد عصور طويلة من التفرق وشظف العيش والمعاناة والرحلات من بحر لآخر ومدينة لأخرى. فقد تأسس الوطن ونعمنا به وتنعمون أنتم الآن بخيراته. إن الوطن هو قطعة من فؤادي حملته معي ومازلت في كل ثانية من ثواني العمر، وستحملونه أنتم كما حملناه لأن هذا الوطن ليس مجرد قطعة من الفؤاد فقط، بل هو كل القلب والحياة وأجمل ما في العمر. [email protected]