الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

هبوط أخلاقي

عندما يجد الجد تلتحق الأكثرية بموروثاتها، هذا ما لمسناه من خلال القضايا التي لها علاقة مباشرة بالمرأة في العالم العربي، حين تتحول الدعوات كافة إلى تقدير الحرية الفردية وإدانة الجاني بدلاً من الضحية إلى واجهة شكلية لا تتجاوز أطر الممارسة النظرية. تابع معظمنا قصة محاكمة الأب السعودي في كندا وقرارها القاضي بطرد هذا الأب على خلفية حبسه لابنته الشابة الراشدة وربط يديها برقبتها وتهديده إياها بقتلها وقت أن صارحته برغبتها في الزواج من شاب أجنبي يرفضه الأب لاعتبارات خاصة. وكانت الابنة قد تزوجت من الرجل بالفعل لكنها وفي محاولة منها للتمهيد لوالدها أخفت الأمر لبعض الوقت. تأتي التعليقات على الخبر بالاستغراق في لوم الضحية (الابنة) وبلهجة تحمل الكثير من عبارات الاستفظاع لتصرفها، وفي المقابل التسويغات العديدة لهجوم الأب بصياغة دينية تنتصر له وتخدم مفاهيم (البر والطاعة)، بينما تنطوي ضمناً على نظرة تحقيرية للمرأة في حق تقرير مصيرها بمفردها. قد تكون الفتاة أخطأت حين اتخذت قرارها متأثرة بالبيئة التي تعيش فيها، لكن معالجة الخطأ يفترض أن تكون واعية، فهذه التعليقات وما حمله وسم تويتر كلها لا ترغب بأن تحيط بأمانة بطرفي المعادلة، إذ يكفيها حين يكون أحد الأطراف امرأة أن تقف منها موقف الضد، وهذه حسبة سهلة في المواقف لا تتطلب جهداً في تعيين الجاني من الضحية، ينظّرون في واقعهم كم هائل من الأخلاق والوقوف إلى جانب الحق والميل مع المظلوم، لكن سرعان ما يتكشف معدن تلك الأخلاق مع أول منعطف يمتحنها، مع أنه في حالات كهذه لا يراد للمظاهر الأخلاقية الخارجية أن توحي بالعكس، لكنها تفعل وتتحدى تلك الادعاءات. في الحقيقة تلفت الانتباه حالة التنكيل بالضحية في المجتمعات العربية، وتلك الذهنية الجاهزة لتبرير العدوان باسم السلطة الكاملة للأب ومن خلال وضعه على مشجب الدين والشرع، فالدين في جوهره لا يحمل كل تلك العدوانية تجاه الأبناء ويضع مزاج الأب فوق مصلحة أبنائه وخياراتهم؟ هذه الذهنية في الواقع تحاول تجميل هبوطها الأخلاقي بالبحث عن مبررات تبدو شكلياً شرعية بينما في جوهرها لا تخرج عن كونها تعبيراً فظاً عن حالة مريعة تتطلب مراجعة لمنظومتنا الأخلاقية لما تتضمنه من احتقار لإنسانية الإنسان وحقه في تحديد ما يراه مناسباً لحياته.
#بلا_حدود