الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

مصر .. الرئيس والشعب

ما المطلوب من الرئيس الجديد في مصر؟ وما المطلوب من المصريين أنفسهم حتى يعود لأرض الكنانة أمنها واستقرارها وريادتها العربية والإقليمية ومكانتها الدولية. فمع بدء التحرك الفعلي للانتخابات الرئاسية تظل الآمال معلقة على رئيس مصر المقبل، بغض النظر عن اسمه، في إنهاء ثلاث سنوات عجاف مرت على هذا الوطن، بعد ثورتين أظهرتا أفضل وأسوأ ما في شعبه. وسواء كان الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر عبدالفتاح السيسي أو حمدين صباحي أو حتى أي شخص آخر، فإن هناك مجموعة من الحقائق عليه، وعلى الشعب المصري في الوقت نفسه استيعابها وهضمها تماماً، أولها أن من الخطأ أن يتصور الرئيس المقبل أن التاريخ يستنسخ قياداته وشخوصه أو يكرر نفسه، وبالتالي، فإن تمنيات البعض بأن يكرر الرئيس المقبل مثلاً التجربة الناصرية تعد وهماً كبيراً، فعبدالناصر نفسه وقع في هذا الوهم، حينما دفعته الجماهير دفعاً إلى أن يتقمص شخصية صلاح الدين الأيوبي، وتوقعت منه أن يحرر لهم القدس من براثن إسرائيل، كما حررها صلاح الدين الأيوبي من براثن الصليبيين، فكانت هزيمة يونيو المروعة التي ما زال الشعب المصري يدفع فواتيرها حتى الآن. أما ثاني هذه الحقائق، فهي أن نصف الشعب المصري يعيش على أقل من دولار واحد يومياً، وأن انتشاله من هذا الفقر ممكن، ولكنه يحتاج إلى خطة متوسطة المدى (عشر سنوات)، وإلى حزم في تنفيذها، حيث سبقت مصر إلى هذا الطريق دول في العالم الثالث كانت أكثر منها فقراً منذ نصف قرن، مثل الهند، وكوريا، والبرازيل، والمكسيك. وثالث هذه الحقائق هي ضرورة محاربة الفساد المستشري في مصر، سواء في المقاولات والمناقصات وصفقات الاستيراد والتصدير أو في المصالح الحكومية وشرطة المرور والمرافق العامة، ولا يتطلب ذلك إلا عدة أشهر من الصرامة في تطبيق القانون على الجميع. وإذا كان الأمن سيظل مطلباً مهماً، لمواجهة عمليات الجماعة الإرهابية وأنصارها في جميع أنحاء مصر، فإن ذلك لا يعني إعطاء الضوء الأخضر لوزارة الداخلية، كي تطلق يدها في كل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلة أجهزة الأمن في الوزارة. ومع كل هذه الحقائق، فإن على الرئيس المقبل أن يصارح شعبه بالحقائق وأن يلتزم الصدق والعدل وأن يحافظ على وحدة الوطن ومقاومة إغراء السلطة وإغلاق الطريق على مواكب المنافقين. أما على المستوى العربي والإقليمي والدولي، فإن الرئيس المقبل مطالب بترتيب البيت الداخلي أولاً، قبل أن يتحرك على الساحة الخارجية، حيث تنتظره ملفات ضخمة في مقدمتها حقوق مصر في مياه النيل، وتوثيق علاقاتها العربية، خصوصاً مع دول مجلس التعاون الخليجي التي وقفت وما زالت تقف بكل قوة إلى جانب مصر، بالإضافة إلى تصحيح الخلل في العلاقات مع واشنطن، ليصبح للقاهرة قرارها المستقل والذي ظهر جلياً بعد ثورة الثلاثين من يونيو، مع فتح قنوات جديدة للتواصل مع القوى الأخرى، مثل روسيا، والصين، والهند، واليابان، واستعادة مصر دورها على الساحة الأفريقية. ومع كل هذه الحقائق، فإن على الشعب المصري أن يدرك أن رئيسه المقبل لا يملك عصا سحرية لحل مشكلات سنوات متراكمة، ولن يحقق لشعبه كل طموحاته خلال عدة أشهر، وبالتالي، فإنه مطالب بالعمل الجاد المخلص معه وأن يوقف، ولو بصورة مؤقتة، الاحتجاجات والمطالب الفئوية، كي تمضي عجلة الإنتاج، وأن يقدم أفضل ما يملك ويظهر معدنه الأصيل الذي تجلى من قبل خلال ثورتين أبهرتا العالم الذي رأى كيف ينظف الشباب ميدان التحرير، عقب انتهاء المظاهرات وأن يقدم المصلحة الوطنية على المصالح الفردية، حتى تصل سفينة الوطن إلى بر الأمان. في النهاية، يمكن القول إن استعادة مصر لمكانتها لا بد أن تمر عبر رئيس يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، ويدرك أيضاً أن هذا الشعب الذي ظل صابراً على نظام مبارك قرابة 30 عاماً، ثم ألقاه خلف القضبان، هو الذي خرج، ليطيح بحكم مرسى وجماعته، ويعي أيضاً أن المصريين ما زالوا يحلمون بالقصاص لشهدائهم ويأملون في حكومة تلبي طموحاتهم، ويوقن في الوقت نفسه أن مصر أكبر من كل قوة، وهي التي تختار من يقود دفة سفينتها، وأن من يحقق آمالها ويطبب جراحها ستحمله على أعناقها. وفي المقابل، لا بد لشعب مصر أن يدرك تماماً واجباته في العمل الجاد، وأن ينحي مطالبه الشخصية جانباً، من أجل إعلاء مصلحة الوطن. [email protected]
#بلا_حدود