الخميس - 16 سبتمبر 2021
الخميس - 16 سبتمبر 2021

الوعي التاريخي وفهم الدين

التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها وحاضرها، ويستشف من خلاله مستقبلها، وللأسف هناك لغط أو سوء فهم في تراثنا وتاريخنا وعقائدنا، بأن الفرقة الوحيدة على الحق في الأمة هي فرقة واحدة ناجية، وبالتالي أبعدونا عن التعايش ونأوا بنا بعيداً عن التسامح. فنحن لا نتدين اليوم كما كان يتدين أجدادنا أبداً، ونفهم الدين بطريقة مغايرة كلياً للأسباب التالية: وهو ما خلفته التأويلات التاريخية المختزلة، ثانياً خطابنا الديني سابقاً يركز على المسلم لا بكونه مسلماً بل كونه ينتمي إلى طائفة أو حركة دينية ما. فالمذاهب السلفية أو الجهادية أو الإخوانية مفهوم طارئ على الفكر الإسلامي، فقد مر التاريخ بقرونه العديدة لم نألف خلالها أن الانتماء إلى طائفة ما أو حركة يعني الارتماء في حضن الإسلام والهداية، والباطل ما يجنح إليه الآخرون. ما الذي يجعل من الإسلام العربي الأصيل مرتعاً خصباً للتيارات والطوائف التي خرجت من رحمه مغايرة لتيار أهل السنة والجماعة إلا بغرض تقسيم المسلمين وتمزيق جماعتهم وإلصاق الكفر والشرك والبدع بين فئات وأفراد المجتمع؟ فجعل البعض من آرائهم هذه سمة للدين الحق. حتماً فكرة التسامح الديني والخلقي والتعايش مع الآخر مفقودة في هذه الثقافة في عصر الانفتاح والتقاء الثقافات، في أمة مازالت تلج في دهاليز التاريخ والفتن التي قضت نحبها، فهل ما يحدث حقاً ما نستشرف به المستقبل بكل تحدياته؟ فليس من قبيل الصدفة أن أمة بكاملها تندفع نحو الاقتتال العنيف باسم الدين، مثلاً المجازر التي يرتكبها مقاتلو هذا التنظيم الذي يدعي أنه جهادي سلفي أو الآخر الشيعي أو ذو الطابع التكفيري أو العلوي أو الحوثي .. كيف ولماذا طفت كل هذه الفرق فجأة وبدون سابق إنذار؟ حتى إن القضية الفلسطينية التي لم تعد تستولي على اهتمام الكثير لأن ذلك الهم الأول للأمة تغير وتغيرت المعادلة التاريخية. وما يلهب الحماس الآن هو النزاع السني ـ الشيعي بكل أطيافه وشرائحه، ثم التشدد الديني من شرائح الطائفتين، لأن بعض الفرق حاولت إبراز التاريخ الإسلامي ضمن الإطار الذي يرغبون فيه مما وصل بالأمة إلى التفريط في وحدتها، وأقاموا تاريخاً مختلفاً مسخراً لفريق دون الآخر أو حكراً على بعضهم، فجمعوا أو أضافوا ما يخدم مآربهم. فلابد من تدريس التاريخ بكل مثالبه وحسناته لأن التاريخ الإسلامي أضحى في حالة شبه انتقائية، يركز على اللحظات المضيئة ويتغافل عن بعض السلبيات التي تحتاج منا التأمل والعبرة. ما زال تاريخنا مشوشاً إلى حد نحتاج الإجماع من المؤرخين بالوضوح والفهم، حتى لا يأتي عالم فلاني أو محدث آخر يفاجئنا بالمستور والمكتوم، فينشب صراع الديكة بين الاثنين ولا نعرف مع من الحق.. يجب تدريس تاريخنا للناشئة بالشكل الصحيح والحقيقي، لا يمكن أن نفهم ديننا دون وعي تاريخي، حتى نستطيع الحكم على الواقع بشكل صحيح ولتعديل مسارنا الحالي. بعض التجاوزات التراكمية في الخطاب الإسلامي من المتزمتين سابقاً في البواكير الأولى للتطرف الديني، كانت تنذر بتصدع العلاقة الإنسانية بين المسلم وأخيه فيغدو حوارهم مع العامة سمة كل منهم الصرامة، فكلامه الردع وحواره الأمر ومناقشته التصغير والدونية، ويعامل المسلم لا كونه أخاً له في الدين بل حسب انتمائه إلى طائفة ما أو فريق ما. وتراكمت كل هذه الأخطاء. إذاً لا يوجد تأصيل نحو علاقة مثالية بين المؤمن وأخيه المسلم، أفلا نتأمل ما يحدث الآن من قتل وفتن؟ إن أدب التعامل مع المؤمنين أو بين المسلمين وهو خطاب دينى لابد من التركيز عليه، وضابط شرعي لا بد من معرفته كما في الآية «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، وَأَلن جانبك وكلامك مروراً إلى «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ»، هنا الذل الذي هو اللين لا من الذل الذي هو الهوان مروراً بالرحمة «أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ». تلك العلاقة التي أرادها الله على نمط علاقة الأبناء بالوالدين «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» تلك العلاقة المشتركة من خفض الجناح، من الذلة والرحمة.. تلك هي المعاملة المثالية للوالدين وللمؤمنين. ألم يردع نوح حين دعا ربه في ابنه أن ينجو فقال له «إنه ليس من أهلك» لأنه «عمل غير صالح»، فآصرة العقيدة والدين أقوى وأمتن من آصرة النسب والقربى والدم. تلك هي العلاقة التي أرادها الله أن تكون بين المؤمنين «كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».
#بلا_حدود