الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

صلاة الميت، يرحمكم الله!

أظن أن هذا النداء مألوف لديكم أيها السادة والسيدات، أو قد يكون لهذه الكلمات وقع ما في الذاكرة. وبما أنني حديث عهد بزيارة الديار المقدسة، مكة كرمها الله، وكرم كل من زارها، ممن حج أو اعتمر، دعوني أبسط لكم في الحديث عن سيل المشاعر التي تجتاح الذين يشدون الرحال إلى تلك الديار طلباً للراحة والأنس والأمان في بقعة تضم أعظم بيت في الكون، وهو الكعبة، بيت الله الحرام. وولد بين أخشبيها أعظم البشر قاطبة، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، عدد قطر السما، ورمل الثرى. هناك حيث تتضاءل الدنيا بمفاتنها وبهارجها. هناك حيث تطوف الروح حول مراد خالقها، وتسعى بين يديه. وتعلنها مدوية جلية، أنها مهما استطال الزمان وتباعد عن لحظة مبعث النور ونزول الوحي، إلا أنها تبقى متصلة بها أوثق ما يكون الوصال، مؤمنة فيها أعمق ما يكون الإيمان، مقبلة عليها تنهل من معينها الصافي حيث تدفق زمزم. لا أدري إن كنتم تشاطرونني هذا الإحساس أم لا، إلا إنني وكلما طال بي المكث بعيداً عن تلك الديار، تضطرب نفسي، وتتشتت روحي، وتبدأ بالحنين. فأستحضر قول الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، في سورة البقرة: (قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره...). وكأن الله تعالى بعدما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باستقبال الكعبة، التفت إلينا في نداء أزلي، يعبر كل تلك السنين ليصل إلينا غضاً يرشدنا إلى حيث خلاص الروح وسكنها وأنسها (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). ولعل تلبيتنا بعد لبس الإحرام، ونحن في طريقنا إلى بيته الحرام «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك..»، ما هي إلا استجابة لهذا النداء الرباني الخالد. فتأمل. يقول ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ في كتابه زاد المعاد، في شرف البيت العتيق: «ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه، بقوله: (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)، لكفى بهذه الإضافة فضلاً وشرفاً. وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباً له وشوقاً إلى رؤيته، فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطراً أبداً.. كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حباً وإليه اشتياقاً، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل: أطوف به والنفس بعدُ مشوقةٌ، إليه وهل بعد الطواف تداني وألثمُ منه الركن أطلبُ برد ما، بقلبي من شوقٍ ومن هيَمانِ فوالله ما أزدادُ إلا صبابةً، ولا القلبُ إلا كثرةَ الخفقانِ أظن أن بعض ما كتبت قد حرك المشاعر، وأشعل نار شوقٍ كاد أن ينطفئ، وهذا أمر حسن، ولكنه توطئة لموضوع مقال اليوم! فمثل هذه المشاعر لا يمكنني تغافلها، أو المرور بها دون التطيب بطيبها. فموضوعنا هو عن ذلك النداء الذي يصدح به المؤذن بعد أداء صلاة الفريضة، «الصلاة على الأموات يرحمكم الله». نداء لا يكاد تخلو صلاة فريضة منه. ولعل البعض يرى في صلاة الميت فرصة لجني الحسنات، والبعض يتذكر فيها هادم اللذات، الموت، وثالث يمر في مخيلته ذكرى حبيب أو قريب واراه التراب، إلا إنني وجدتُ في تكرار النداء بعد كل فريضة، تصوير لطابور طويل من البشر، تنتظر دورها في النداء التالي!.. وكأن عداداً أمام ناظري ينقص في كل مرة الرقم بعدد من ينادى للصلاة عليهم، والكل ينتظر وقت النداء عليه. ويتبادر السؤال: لماذا لا نستشعر مثل هذا الإحساس في مساجدنا حيث نحن؟ والجواب هو أننا لا نشهد في العادة الصلاة على الميت في مساجدنا، وإن حصل فالنزر اليسير الذي لا يحرك فينا مثل هذا الإحساس أو يقويه إلى الدرجة التي نستشعره في المسجد الحرام. وبعد أن تصورنا مشهد طابور المنتظرين، والعداد الذي تتقلب أرقامه كل لحظة فيشعرنا بتسرب الأيام والأرواح من بين أيدينا، ما الذي علينا فعله؟ هل ننتظر مذعورين نتآكل من الخوف وتتلاشى أحلامنا في انتظار الموت المحتوم؟! أم نثب على أقدامنا، ونغتنم ما تبقى لنا، ونعيش كل لحظة وهبنا الله إياها، نكثر من غراس الآخرة، ونرسم البسمة على وجوه المحرومين، ونصنع المجد لأنفسنا وللأمة التي تنتظر وفاء أبنائها ليعيدوها إلى حيث كانت وحيث هي جديرة به، الصدر دون العالمين. هنا يتوقف الحديث رجاء لقاء يتجدد .. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود