الخميس - 16 سبتمبر 2021
الخميس - 16 سبتمبر 2021

النفور من التنوع

في المسلسل المصري الشهير «أرابيسك» الذي ألّفه أسامة أنور عكاشة وعُرض سنة (1994) يتم تكليف حسن النعماني (صلاح السعدني) ببناء فيلا كبيرة كي تعبر عن هوية مصر، فيكتشف أن المصريين غير متفقين على هويتهم كما تنقل ذلك أفكار الكاتب: «تسأل واحد يقولك فرعوني، واحد تاني يقولك قبطي، غيره يقولك إحنا بنبص على البحر، بعده يقولك عربي طبعاً». تتوالى المشاهد في المسلسل ثم تنهار الفيلا في النهاية متأثرة بزلزال وقع في القاهرة سنة ١٩٩٢. أكثر الأفكار تشتيتاً للمجتمعات حين تصبح مسألة الاختلاف والتنوع عبارة عن عرَض مرَضي غير مألوف وقابل للانهيار عند أول ضربة ومقضي عليه بالفناء التام، تصور الفيلا حالة التمسك بهويات فرعية، لكنها متناقضة من الداخل فيما بينها، ولا ترغب بإحراز اتفاق مع بعضها من أي نوع، ولعل صد وعدم قبول الآخر الذي كان يسيطر على كل فرع أدى إلى حالة تباعد وشق واسع غير قابل للرتق ترجمه سقوط البناية. التنوع البشري ليس خطيئة، لكنه حتمية واقعة من حتميات تشكُّل أي تجمع إنساني، أي شعب لابد أن يواجه الحقيقة ويتعلم كيف يتقبلها نفسياً ويتعايش معها، وهي أنه من النتائج النهائية لتأسيسه حصول التنوع وتباين الصيغ الدينية والتوجه المذهبي والأعراق المتعددة، ومهما جرت محاولات الاستبعاد أو المجافاة لأي عنصر مختلف فإنها لن تنجح في صبغ الجميع بلون واحد، هذا مظهر تفرضه طبيعة الناس، والنداء إلى التشكل الجماعي في قالب والذي يتكرر تحت ذرائع ومسميات عديدة، وأحياناً من قبل بعض المثقفين والنخب مع الأسف ليس إلا دعوات تعيد إنتاج فشلها دون أي نقد ومراجعة جريئة، فلن يصبح بناء دول معتمدة في تكوينها الداخلي من الأساس على الأصول المشتركة وحدها ومستبعدة كل العناصر الدخيلة التي يمكن أن تؤثر في نقاء الوحدة خياراً في اليد، لكنها تهز أركان البلد وقد تتسبب في تفتيت هذا التجمع بالكامل. كان أهم ما أفرزته هذه النداءات بضع ثوابت في النسيج الفكري للشعوب، أهمها التوجس من فكرة التنوع، والتزام النضال لإرغام الجميع على امتثال طريق مفرد في الفكر والشعائر والسلوك والتعبير دون اعتبارية لمكانة الشخص ككيان حر تحركه إرادة ذاتية وقرارات شخصية وعقل واع يوجهه، حيث يبغي من غير تنصيب فئة عليه كسلطة في التوجيه، والإرغام على تبني هوية واحدة إن أراد القبول الاجتماعي، أو قد تفرض عليه عقوبات معنوية محددة تضيق عليه الحصار فيما لو رفض الانخراط في البوتقة مع من انخرط، تلك الدعوات تفرض روحها ونهجها حتى سادت بين الأكثرية بلا مراعاة لفروقات البعض، كما أنها تسعى لتصعيد الصراعات في حال المقاومة والرفض من قبل من يصر على تمسكه بتوجهه الفريد، وحين تكون فكرة النفور من التنوع صاحبة البناء الذهني والكلمة المؤثرة في أي مجتمع، فلا عجب حين تنهار البناية كاملة عند أول أزمة تعصف بها.
#بلا_حدود