الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

بريطانيا .. وطلاق الإخوان

يقول فرانسيس روبنسون «بريطانيا سعت دوماً لدعم سلطة إسلامية تقليدية كحصن لاستمرار سلطتها، وكثيراً ما سمحت باستمرار الشريعة والحكم الأصولي المتشدد». توضيح لنظرية المقايضة وهي جزء من العلاقة «أدعمك لكي آمن شرك» .. ولعل العلاقة البريطانية بجماعة الإخوان منذ بدايتها وإلى اليوم قد تشير بشكل أو بآخر لهذا الاتجاه، ويمكن ملاحظة وقراءة هذه العلاقة من خلال تتبعها عبر تاريخ طويل يمتد لأكثر من 80 عاماً. نشأة الجماعة كانت في الإسماعيلية عام 1928 بدعم من شركة قناة السويس أحد أكبر الرموز الداعمة للاحتلال الإنجليزي لمصر وقدمت تمويلاً كبيراً تلك الأيام للجماعة وامتد التقارب والتمويل والهدايا إلى أن وقع الطلاق العسكري بين التنظيم والضباط الأحرار خصوصاً بعد تسلم عبدالناصر لزمام الأمور في مصر، حيث تم تشتيت الجماعة في مختلف دول العالم، وانتقل مقر الجماعة ونشاطها الدولي إلى لندن في العام 1955 بعد الإعلان عن حظر الجماعة في مصر وملاحقة أفرادها وقادتها. وهذا لا شك يفسر أن التحرك الإعلامي البريطاني باتجاه الإسلام الراديكالي لم يكن وليد اللحظة. ولا أعتقد أن الكثير من المتابعين يمكن أن يخفى عليهم الدور الكبير والسعي الحثيث لدى الحكومة البريطانية سابقاً وحالياً في دعم هذه التحركات التي من شأنها أن تشكل قلقاً كبيراً لكثير من دول العالم، في حين أن الهدف الأساسي هو عملية مقايضة واضحة وقديمة تلعبها بريطانيا في سياستها الخارجية، باستخدام القوى الإسلامية أو تعمل على تجنب خطرها من خلال احتضانها. لكن السحر قد ينقلب على الساحر كما حدث سابقاً أثناء دعمها لحركة المجاهدين في أفغانستان والعمل على تدريبهم وتهيئة قياداتهم، حتى إن أحد المحللين أطلق على هذه العلمية مصطلح «لندن ستان». صحيفة الجارديان تقول في تحليل قديم نشرته: «إن التهديد الإرهابي الذي تعاني منه بريطانيا، ناتج عن العمليات السرية البريطانية مع الجماعات الإسلامية المتشددة على مدى عقود مضت، وبينما يعتبر الإرهاب هو التحدي الأكبر أمامها. يبدو أن تواطؤ الحكومة البريطانية مع المتطرفين الإسلاميين، والإسلام الراديكالي مستمر». يبدو أن بريطانيا في الفترة السابقة ومع بدء ثورات ما يسمى بالربيع لم تستفد من تجاربها السابقة حيث عادت لتغازل العشق القديم (تنظيم الإخوان) الذي رأت فيه المنقذ المعتدل ليكون الصورة الجديدة للإسلام أو المسوق الجديد لمشروع المواجهة. وهو مشروع في ظاهره يواجه الإرهاب ولكنه داخلياً إنما يواجه التطرف الإسلامي من وجهة نظر غربية (السلفية). فلجأت لهذا المشروع في العام 2004. وكان الحل لدى من تحتضنهم من رموز تنظيم الإخوان مع تطعيم هذا المشروع بنماذج قد تكون صالحة وجاذبة إعلامياً ولا تتعارض مع أي أطروحة غربية. وهو الشكل الظاهر، لكن القصد هو إيجاد صراع إسلامي إسلامي. كان القرضاوي وعمرو خالد ويوسف إسلام والخليلي وطارق رمضان حفيد البنا وكمال الهلباوي قد عملوا لتحقيق الأهداف بطريقة غير مباشرة. وكانوا يشكلون الواجهة الإعلامية لهذا المشروع. وبنظرة سريعة لهذه الأحداث تجد أن الهم البريطاني واحد من أواسط القرن الماضي وحتى اليوم في التعامل مع الإسلام السياسي (مصلحتنا أولاً). لعل ما سبق يوضح نوعاً ما بعض التساؤلات التي قد تُطرح عن تاريخ هذه العلاقة، أو هل فعلاً تتجه بريطانيا كحكومة لتصبح الداعم الرئيس لتطلعات التنظيم السياسية في الخليج خصوصاً وفي الشرق الأوسط بشكل عام، وتحصد الثمار أم تحصد الدمار أم هي مجرد توجهات ستسعى لإيقافها حفاظاً على علاقات تمتد لعشرات السنين مع دول الخليج خصوصاً. لننتظر، فمازال للحديث بقية. السابق هو تساؤل وملخص لما ذكرته في مقال نشر قبل عام من الآن. واليوم ومع صدور أوامر رئيس الحكومة البريطانية بتشكيل لجنة للتحقيق حول جماعة الإخوان وفتح ملفاتها وعلاقاتها داخل بريطانيا وخارجها برئاسة السفير البريطاني السابق لدى السعودية. تبرز هنا إجابة لسؤال انتظرناها عاماً كاملاً، ولكنها تحمل أكثر من تساؤل! فهل تحسست بريطانيا واستشعرت هذا الخطر؟ وهل اقتنعت بتوجهات هذا التنظيم التي لا تقل إن لم تكن الأساس للتحركات المتطرفة والإرهابية لبعض الجماعات الأخرى كتنظيم القاعدة وأفرعه الأخرى؟ هل تحتاج بريطانيا لهذه التحقيقات لمعرفة توجهات هذا التنظيم أو بالأساس لماذا وجد هذا التنظيم؟ أم أن ذلك هو عرض آخر من روائع المسرح الإنجليزي في التقلبات الدبلوماسية والسياسية على امتداد خط التقارب مع هذه الجماعة. لا نعلم ولكن من الواضح أن هذا الأمر صدر مع انتشار أخبار حول تحركات قطرية قبل أشهر من خلال مكتب محاماة متخصص لإصدار موافقة حول نقل عدد من قيادات الإخوان الموجودين في قطر إلى بريطانيا، وبالتالي هل تسعى بريطانيا لقطع الخط وعدم القبول بطريقة قانونية؟ أم هي تهيئة لتبرير قادم حول نظافة سجل هذا التنظيم المدلل! أم أن كل ذلك هو تجهيز لإعلان عالمي عن وفاته، وسيكون في لندن بحيث يتم توجيه آخر الضربات وإطلاق رصاصة الرحمة عليه بيد سياسة كانت المرضعة لهذا التنظيم الذي تم بناؤه في ثمانين سنة، وتم إسقاطه في سنتين. [email protected]
#بلا_حدود