الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

هل المشروع القطري السياسي مجرد من العقلانية والرشد؟

 كان المغفور له ـ بإذن الله ـ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يحلم بتوحيد دول الخليج إيماناً بما تحقّق من اتحاد إمارات الدولة السبع عام 1971، وكانت منطلقاً لتكوين مجتمع خليجي واحد تجمعه روابط الدين واللغة والعادات والتقاليد والمصير المشترك، ولأهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة، وللحفاظ على أمنها واستقرارها ودوره في تعزيز مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإسهامه الكبير في تأسيسه، وما قدّمه من جهد كبير لخدمـة قضايا الأمتين العربية والإسلامية وسلام المنطقة والعالم. لم يألُ صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ جهداً في تعزيز المشاركة الفاعلة لدولة الإمارات في دعم مسيرة مجلس التعاون المباركة، فمن أقوال المغفور له: «إنّ نجاح المسيرة الاتحاديّة بدولة الإمارات كان حافزاً لبلورة فكرة قيام مجلس التعاون.. لقد وضعنا في دولة الإمارات تجربتنا الاتحاديّة كنموذج حيّ لجميع الإخوة في منطقة الخليج، وتطلّعنا بعد ذلك إلى الاتحاد الأكبر بين الأشقاء في المنطقة، فجاء تجاوب إخواننا بتوجهاتنا الاتحادية بمثابة دور نور على نور لتحقيق آمال وطموحات شعوبنا بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية». دولة الإمارات في العلاقات الدوليّة لها دور مؤثر، وفق سياسة تنتهج التوازن والشفافيّة ودقّة التقييم لتحقيق الغاية الأساسية لمجلس التعاون، وهي «المساواة في السيادة، وتسوية المنازعات بالطرق السلميّة، وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة، والانتماء الكامل للعروبة والتنظيمات العربيّة، والتمسّك بسياسة عدم الانحياز، ونبذ الأحلاف والقواعد» لقناعة الحكومة الرشيدة بأنّ ترسيخ العلاقات مع الأشقاء شكّلت الأولويّة للدولة، مثلاً الإمارات لم ولن تكون في تاريخها السياسي طرفاً في أزمة مع شقيق عربي، هذه سياسة المغفور له الشيخ زايد آل نهيان، التي تحسب له، رحمه الله، طوال مسيرة حياته السياسية، علامة فارقة في البناء ولمّ الشمل العربي ودعم الأشقاء على كلّ الأصعدة. دولة الإمارات وشعبها متمسّكان بالوحدة، إيماناً بأنّ يد الله مع الجماعة، والاعتصام بحبل الله هو السبيل لصدّ الأطماع والتحدّيات التي تحدق بأمن الخليج، تلك الوحدة التي تدعو إلى الائتلاف وترك النزاع والاختلاف. إنّ مواقف دول المجلس منصبّة على تحقيق الدعم لإخوانها العرب، إذا مر بهم أمر جلل أو خطب، إنهم ترس للحفاظ على الأمّة العربية، وتأصيلاً لهذا المفهوم، لا بدّ من صيانة هذا الصرح الذي بناه الآباء والحفاظ عليه. إنّ التبصّر في معايير قياس الظاهرة القطريّة طالما ظلّت هاجساً عندي، هل المشروع القطري السياسي مجرد من العقلانيّة والرشد؟ هل تقترب من أجندة الحركات الإسلاميّة بطابعها الفصائلي؟ هل الطرح القطري للتديّن جاء لتلميع كلّ الأجندات والتيّارات، وتغذية كلّ العناصر الإرهابيّة بكلّ مشاربها؟ إن هذا يدلّ على العقليّة الأحاديّة غير الواعية سياسياً، ومن باب خالف تعرف. يقيناً إنّ الظاهرة القطريّة تحاول أن تتبنّى أساليب غريبة غير مألوفة، تكرّس صورة الإسلام المتطرّف بكل مشاربه ورؤاه، هذا النمط من التديّن يتّسم بانتقائيّة، وانفتاح هادم على كل المرجعيّات الدينيّة والتيارات، وكأنها بذلك تدافع عن القيم الإنسانيّة الكبرى. أوّلاً: لا بدّ أن تسارع قطر ـ مدفوعة بأخلاقيات العلاقة الأخوية التي من المفترض أن تربط البلدين والشعبين الإماراتي والقطري ـ بالاعتذار عمّا بدر منها من أخطاء في حق دول جارة وشقيقة لها. إنّ مهاجمة إعلامها المسموم لدولة الإمارات العربية المتّحدة، أبعد الإعلام القطري عن كلّ القيم الأصيلة، لا سيّما أنّ الاعتذار له آداب وهو توفيق إلهي، لا بدّ أن يسبقه صدق الطويّة وإخلاص النيّة، ذلك الاعتذار الذي يعدّ بمنزلة الترياق الشافي والمطهّر للجراح، لهذا لن تستطيع قطر أن تُقدم على هذا القرار لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهي التي لم تعمل على تفويت الفرصة على الآخرين المتربّصين في أن يجدوا ثغرة في جسد الوطن الخليجي ليدخلوا من خلالها لتدميره وتخريبه من الداخل، وزيادة أوار الفتنة وزعزعة الأمن في بلدان الجوار. ثانياً: إنّ الحكومة القطريّة لها واقع سياسي تسوده الازدواجيّة في المعايير والأحكام العشوائيّة المعقّدة، التي ليس لها تسويغ مقنع، حتى يخرجنا من دوّامة الحيرة كشعوب خليجية. هل وصلت قطر إلى مرحلة ضلّت فيها الطريق؟ كيف يمكن لأمّة لا تحسن التعامل مع أشقائها وجيرانها واحترام أمّتها أن تلحق بالركب بين قوى هذا العصر؟ كيف لقطر أن تدافع عن حق فلسطين في الأرض من ثم تعيد العلاقات مع العدو، إنها خيانة للأوطان العربية، خصوصاً بعد مؤتمر مدريد وكان أول لقاء قطري إسرائيلي مع رئيس الحكومة الإسرائيلي وقتها شمعون بيريز بعد زيارته لقطر عام 1996 وافتتاحه المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة وتوقيع اتفاقيات بيع الغاز القطري لإسرائيل، ثم إنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب، علماً أنه وأمثاله فرضوا سياسة الاستعلاء والعظمة كأنّها دولة كبرى بالقوّة، وحاولوا استنساخ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة في بيئة ظلاميّة تحمل بين طيّاتها الكراهية والفتنة والشقاق مع دول المنطقة. أيّ تقدم سوف تنشده قطر وهي تحتضن معاقل الإرهاب بكلّ صنوفه؟ وهي ظاهرة مجهضة للتقدم، واللّحاق بالركب الحضاري الذي تنشده، لأنّ قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر ليست قيماً مجرّدة أو فطرة يولد بها الإنسان، بل ممارسة عملية تحياها الشعوب لتكون داعية للخير، باعثة على الأمل والمستقبل. كما يقال «استطاع الأوربيون أن يتّحدوا لأنّهم فضّلوا ألا يختلفوا». ثالثاً: مهما حاولت قطر أن تجمع كلّ من يسرح ويمرح من الخارجين عن منظومة الجماعة، لن تبلغ ما تصبو إليه، لأنّ الأساس هو المواطنة الصالحة وهو غير موجود في جوهره لدى الجماعات، هذه الجماعات التي تتبنّاها قطر تفتقد ـ غالباً ـ أبجديّة الرؤية الوطنيّة، وتفتقد التعايش الأمثل مع كلّ من يخالفها، هؤلاء لم يستطيعوا أن يذودوا عن أوطانهم، فهل هم قادرون على حماية أوطان الآخرين؟ لدى هؤلاء أزمة في الهويّة الوطنيّة للوطن مسخت كلّ المعاني القيّمة، وضعف الانتماء العام للوطن والمجتمع، يتحوّل إلى كارثة، فالانتماء للجماعة هو المحرّك المؤثّر، وتسييس ثقافة الانتماء لتلك الجماعة أو ذاك التيار يجلب الخراب للأمن الوطني. التعدديّة نعمة للأوطان، لكنّها تتحوّل إلى نقمة في غيبة الانتماء الوطني وحضور الانتماء للأمّة، واقع العرب لن يتحسّن مادامت الأمّة العربيّة غير متمسّكة بأوطانها، وتمزّق في وحدتها الخلافات والتناحر، الوحدة الوطنيّة وقيمة ولاء الفرد المواطن لوطنه تعزّز من قوّة الوطن، إنّ مفهوم الهُوية والانتماء كان له دور مؤثّر وحضاري عند الشعوب، لهذا أخفقت الجماعات الإسلاميّة وسقطت هيبة علمائها لعدم تقديرهم لأوطانهم الأمّ ـ أوّلاً ـ حتى يأتي تباعاً الإصلاح لأمّتهم، وليس العكس، لهذا لن تتحقق الوحدة العربيّة المنشودة، وعلينا إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة بعد أن تم مسخه من خلال دعاة الكراهية والعنف. [email protected]
#بلا_حدود