الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

عفريت حول الشجرة

«هبت ريح مدوية، فتمايلت الشجرة، وسقطت أوراقها اليابسة، فقام الناس يدعون ألا ينتقم منهم العفريت بذنب يريد أحمد أن يرتكبه، وأخذوا يصرخون ويبكون، وينهرون أحمد ويبعدونه عن الشجرة..!». بهذه الكلمات يفتتح القاص عبدالله علي الطابور قصة ثقب الصخرة، من مجموعته القصصية التي تحمل العنوان نفسه، وإذ نتساءل عن الذنب الذي سيقترفه أحمد بحق الشجرة، وسيعاقب الجميع عليه، تعود إلى خواطرنا تلك العلاقة القديمة بين الإنسان والأشجار، حيث نسج الإنسان الأول منذ الأزل، مستمداً من الطبيعة حوله، قصصاً عن أشباح الأشجار والأرواح الشريرة والطيبة، والتي تسكن الغابات وتعشش في جذوع الأشجار. وقد توارثت تلك الشعوب القديمة طقوس تقديسها تارة، والتبرك بجذوعها وأغصانها تارة، وخشيتها تارة أخرى، فالأذى يصيب من يقطع الأشجار، واللعنة تحل على من يؤذيها، وهي أصل الحياة ومصدر استمرارها، ولا قوة للإنسان على مواجهة سخطها، وقد يبدو ذلك صحيحاً وواضحاً للإنسان المعاصر الذي اكتشف دور الغابات وأهميتها في حفظ التوازن البيئي عبر ضخ الأكسجين اللازم للحياة، لكن هذا الدور وتلك الوظيفة لم تكن واضحة بالمعنى العلمي للإنسان القديم، فمن أين جاء ذلك التقديس؟ وكيف نشأت تلك الأساطير؟ والمرجح دوماً أن الخوف هو المبرر الأول لبزوغ أي أسطورة أو خرافة، وقد يبدو أن ضعف الإنسان أمام غضب الطبيعة وثورتها هو مبعث تلك الأساطير، فالشجرة تمنحه الغذاء وتمنعه عنه أيضاً، تغضب، فتهتز وترمي أوراقها، ليتساقط مع كل ورقة اسم من أسماء الناس، وحين تسعد، فتخضر وتورق يولد أناس آخرون، وتنتعش الطبيعة من جديد. في قصة عبدالله الطابور يسكن شجرة قرية الزعفران عفريت، يحرس ماء النبع الذي هو وسيلة أهل القرية للحياة، هو حارس الحياة وباعثها، ومصدر المحافظة عليها، وعلى كل من يريد الشرب منه، أو حتى الاقتراب من النبع أن يدفع ضريبة ذلك دراهم يرميها في ثقب صخرة تقبع قرب الشجرة، وقد اعتاد الناس منذ القدم أن يقدموا القرابين والأموال، قبل التجرؤ على مس الماء، فالعفريت يرقد في جوف الشجرة، ويعلم من يدفع المال ومن لا يدفع، وإذا سخر أحمد من هذه الطقوس، ومن عادات الأجداد ومراسمهم، وتمرد عليهم، وخرج من نطاق الفكرة المسيطرة على عقولهم، وحاول كسر حاجز الخوف والشرب من دون دفع المال، ثار الناس وغضبوا منه وتجمعوا حوله، ليمنعوه ويحولوا بينه وبين الماء. إلا أن أحمد طرح سؤاله البديهي في وجه القوم، عله يصل أفئدتهم: لمن أدفع فلوسي؟ هل للعفريت أدفعها؟ هل رأيتم العفريت؟ لكن القوم الذين ران على قلوبهم، قالوا: هكذا فعل أجدادنا وهكذا نفعل، ورفضوا التفكير في السؤال المطروح، وانصرفوا عنه إلا أن بطل هذه القصة، كحال بعض الأفراد الذين يشذون عن المجموع، ويتساءلون بعيداً عن دائرة المعتاد والمعروف، أقسم أن يعرف أين تذهب كل تلك الكنوز التي يهدرها أهل قريته السذج في ثقب الصخرة، أيعقل أن يجمعها عفريت الشجرة؟ وماذا يصنع عفريت بالأموال؟! كل تلك الأسئلة جعلته يصمم أكثر على إيجاد أجوبة، وإن خاطر بحياته ووضعها على كف عفريت، فعاد ذات ليلة، بعد أن اطمأن لانصراف أهل قريته، بهدوء وخشية وببعض التوجس، وفي نيته الحفر تحت الصخرة المثقوبة، ليبحث عن العفريت لعله يجده، وليخرج تلك الأموال أيضاً، لكن المفاجأة التي صدمته كانت ساعة اكتشف أن عفريت الشجرة هم من الإنس: قطاع طرق أذكياء، يأتون كل مساء بهدوء، لجمع الأموال الكثيرة من داخل الصخرة المثقوبة، قبل أن يعيدوها إلى مكانها في انتظار غلة يوم جديد..! [email protected]
#بلا_حدود