الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

عن الحاسة السادسة

يرى علماء النفس أن الأشخاص الذين يحتفظون بالرؤى التي كانت تثير الرعب في نفوسهم في مرحلة الطفولة عندما يكبرون يصبحون أوسع خيالاً من غيرهم، وأنه لو استُغلت هذه الخيالات في أعمال أدبية أو فنية فستحقق لهم نجاحاً باهراً. وأكبر مثال على ذلك ما قاله ستيفن كينغ الكاتب الأمريكي الشهير، من أن المادة الخام لكل رواياته التي حققت أرقاماً قياسية في المبيع، ثم تحوّل معظمها إلى أفلام سينمائية؛ نشأت من هواجس طفولته، والتي يمتزج فيها الخوف والسيكولوجيا بظواهر ما فوق الطبيعة على مدار القصة. ففي روايته كاري Carrie، التي تتحدث عن فتاة تمتلك قدرة غريبة على تحريك الأجسام عن بُعد، تكتشفها البطلة بامتلاكها لقوى نفسية هائلة تستطيع من خلالها تدمير كل منافساتها اللواتي يضايقنها. وعلى ضوء ذلك أذكر أنه في يوم انجرف بي نقاش ودي مع أحد الكتاب المعروفين حول حياته العائلية، والتي اعتبرها مصدر إلهامه في جميع كتاباته، لكنه ظل يردد في حديثه جملة: «إن للإلهام قوى مؤلمة كألم نزول الوحي على الأنبياء»، وأردف: الكاتب الموهوب شخص يحب العزلة، وهو ما أكدته دراسات وحث عليه علماء تربية في التعامل مع الأطفال المبدعين باحترام رغبتهم في البقاء وحيدين معظم الوقت. وكان تفسير الرجل لذلك والذي اعتبره سراً يُفصح عنه لأول مرة، أنه بإحساسه العميق لمن يهتم بأمرهم يضيف لحواسه الخمس الأخرى ما يستطيع به أن يتعرّف إن كانوا سعداء من دون أن يراهم أو يسمع ما يريدون قوله من دون أن يتحدثوا، يميّز من الرائحة امرأة كئيبة من أخرى مبتهجة، ويستطيع أن يُفرّق بحاسة التذوق طعاماً طهي بكل الحب أو على عجل وبلا اكتراث. وأنه حدث مرة أن فقد إحساسه بتذوق الأشياء فترة مر بها بظروف نفسية عصيبة، لكنه استعادها بعد زوال غمّته أقوى مما مضى، وقال إن ذلك الإحساس الحاد تعرّف إليه منذ طفولته المبكرة حين فقد أبويه وحاول الاستعاضة عنه بتكثيف إحساسه بحب من حوله خوفاً من فقدانهم هم أيضاً، ورأى أن المؤلم في الأمر أن المرء عندما يُحس بمن حوله إحساساً خاصاً، تصبح مشاعره مضاعفة، ففرحته تعادل فرحة شخصين حين يفرح لمن يحب، لكن حزنه سيكون كذلك، ولم يعتبر صديقي ذلك مشكلة أبداً، المشكلة عنده تكمن حين لا يُحس به بالمقابل أحد.
#بلا_حدود