الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

أيديولوجيا العنف

من العسير أن تنمو في الديمقراطيات الحقيقية التي استوفت شروط الديمقراطية كاملة حركات دينية دموية تدعو إلى العنف وتمارسه، وكلما شهدت البلدان ديمقراطيات برلمانية واعدة وانفتاحاً سياسياً أضعفت بدورها وجود تلك الحركات أو نشاطاتها، كما سيصبح تمثيلها البرلماني هش وضعيف بالمقدار نفسه فيما لو أرادت اقتحام عالم السياسة، ولن تكون قادرة أصلاً على صياغة برنامج سياسي يدعو إلى استخدام العنف من أجل التغيير. في الفضاء الرحب للحريات السياسية لا يمكن أن تنمو جرثومة العنف وتنتشر وتعم، الاستبداد الذي يحتكره أحد الأحزاب للسلطة والذي يلغي بدوره الحياة السياسية والبرلمانية ويمارس العنف لسحق بقية الأحزاب هو أول من يمهد لتحول الحركات الدينية السياسية من حركة سياسية إلى حركة عنفية، فالأساس الذي قامت عليه مشروعية هذه الحركات هو تعرضها للعنف وإحساسها بغصته، ومصادرة النظم القائمة للحريات السياسية كافة. لكل فعل رد فعل، هذا القانون الفيزيائي ينطبق أيضاً على علم الاجتماع تماماً كما ينطبق على الطبيعة، فلم يكن من الممكن أبداً في ظل العنف المنظم الذي يقوده أي من النظم المستبدة القائمة نمو حركات تحمل مشاريع سلمية، ولا يمكن لمجتمعاتنا التخلص من هذا البلاء العنفي الذي لجأت إليه الحركات الإسلامية طالما بقيت تلك الأنظمة تمارس بطشها وتجريدها للمجتمع من حرياته الأساسية. والتوعية لا معنى لها عندما تكون الفأس في الرأس، ينبغي تخليص المجتمعات من داء العنف من فوق، من السلطات أولاً، وبعدها يمكن الحديث عن مشاريع ثقافية تعيد للمجتمعات توازنها وعافيتها. قد يرى البعض أنه من حيث المبدأ تولد الدكتاتوريات العنف، لكنه لا يصبح ذا بعد اجتماعي إلا بوجود أيديولوجيا متطرفة في الداخل تعزز هذا التوسع والامتداد في المجتمع، وقد حصل هذا في سوريا نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ويحصل الآن، لكنه لم يحصل على نطاق واسع في أمريكا اللاتينية مثلاً في الفترة نفسها، وبالتالي فإن غياب تلك الأيديولوجيا أدى إلى توسع أقل للتطرف. لكن في الواقع فإن الديكتاتوريات لدينا وعلى العكس من أمريكا اللاتينية كانت أيديولوجية من الدرجة الأولى من الأساس، وعلى الأخص ذات أيديولوجيا قومية، ولذا فمن الطبيعي أن تولد حركات أيديولوجية على صورتها ومثالها، بينما هناك لم تكن كذلك، وتلك هي مصيبتنا الكبرى.
#بلا_حدود