السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

داء الطائفية موجود

في بعض الأحيان، وحين أختار أن أضع يدي على بعض الثغرات الاجتماعية أو الانحرافات الأخلاقية أو التجاوزات السلوكية في مقال، لإعادة النظر فيها وتصويبها، ينبري بعض القراء على شبكات التواصل بالاحتجاج في تعليقات ترفض لغة التعميم الواردة بالمقال باعتبارها تتقصد كل فرد في المجتمع، كأنما كان هذا المقال أو ذاك يشكك في نقاوة المحتج شخصياً، مع أن التعميم لا يعني أن «كل» إنسان واقع في هذا الحكم، التعميم مجرد وصف انتقال السلوك من حالة «فردية» إلى «ظاهرة» أي إلى العموم. في الغالب، فإن المحرك لهذه الردود المغتاظة هو الإحساس بأننا فئة الكتّاب نهوى لعبة التعميق والتوسعة لهامشيات غير مؤصلة في الجميع، وأننا نبالغ في استظهار تلك العيوب، ونسهم في تدعيم الهواجس أو حتى نستحدث تلك القضايا من العدم، كي نقع على مادة يومية تصبح موضوعاً جيداً لمقال، رغم أن المشكلة المعروضة قائمة فعلياً لمن يرغب في التفحص بعينين أمينتين، وليست من تلفيق خيالنا الخصب، لكنه رفض روتيني يشعر معه صاحبه أنه أدى واجب إنقاذ سمعة البلد وتخليص المجتمع من كل المثالب التي اعتاد الكتّاب تعليقها على أكتافه. حين نتطرق لمرض متفش بقوة في المجتمعات العربية كالعنصرية والطائفية، فهذا لا يعطي قطعية ثبوت بأن الجميع يمارسها وعلى مستوى واحد، بل يعني أننا أمام طيف واسع من الناس يشكلون خطراً حقيقياً على وجود الأقليات، وقد تجد البعض، وخوفاً من الوقوع في شبهة الطائفية أمام الآخرين يستعرض بعض تمثلات هشة مكشوفة، كي يثبت أنه سليم الطوية، لكنه إذا ما وجد الفرصة الملائمة والظروف، فإنه لا يجد بأساً بتحويلها إلى تصرفات وإحراق هذه الأقليات عن آخرها، وكأنما سكوته السابق وصبره كانا تفضلاً منه. إن إحساس الأقليات بالاضطهاد في العالم العربي كثيراً ما يعلن عن نفسه، الأقليات جزء من نسيج الأمة لا يمكن اقتلاعه أو التعامل معه على حدة، وحقوقهم ليست فضلاً من الأغلبية بحال. أحياناً، يتخلل هذه التعليقات المحتجة مطالبات بالنظر في الأولويات والمعضلات الأكبر وترك تلك الأمور الجانبية إلى وقت آخر، لكن في الواقع، فإن المجتمعات التي ترعى الأقليات وتمنحها الحقوق والفرص نجد فيها «الأغلبية» تعيش في ظل ظروف أفضل من أي مجتمع آخر، تماماً كما أن المجتمعات التي تعاقب بصرامة على التحرش اللفظي مثلاً أو اللمس لن تجد فيها بوادر لتحرش جماعي، فمن يهتم لدقائق الأمور سيعتني بأكبرها، ومن أجل ذلك يصبح كل تأجيل في حل أزمة، على سبيل الاستخسار للتفاصيل الصغيرة بحجة تقديم الأولويات، لن يوصلنا إلى الأولويات ولا إلى غيرها، وأختم بالقول إننا حين نشير إلى عيوب في ثقافتنا المجتمعية، فذلك ليس تغريباً ولا تدليساً ولا احتقاراً للذات، بل دعوة صادقة لنتحمل مسؤولياتنا.
#بلا_حدود