الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

ويكيبيديا تفقد الذاكرة

سولومون شيريشيفسكي فنان ذاكرة على المسرح مصاب بحالة تعرف بـ«فرط الذاكرة» قد تم ذكره ضمن عدة حالات أخرى مشابهة في كتاب الطبيب النفسي العصبي الروسي ألكسندر لوريا «دماغ المصاب بفرط الذاكرة». يعتقد أن هذا الكتاب هو مصدر إلهام الكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخيس لكتابة قصته القصيرة «فونيس القوي الذاكرة» عام 1942. إيرينيوس فونيس، الفتى الذي يقابله (من باب الفرضية الخيالية في القصة) بورخيس ويحدثه مطولاً بعد سقوطه عن ظهر حصان وإصابته، حديث في الظلام لفتى مصاب بلعنة الذاكرة. هو يتذكر أشكال الغيوم في السماء كل يوم مضى، شكل أوراق الأشجار التي تتناثر على الأرض كما تبدو كل يوم وغيرها من تفاصيل كما يحفظ كل ما يطالع بما في ذلك الكتب اللاتينية التي يقرؤها لأول مرة. ما معنى ألا ننسى أي شيء؟ أن تتكوم أكداس من التفاصيل فتثقل عقولنا حد الإرهاق؟ نحن نتعامل مع ذاكرة انتقائية في أغلب الأحوال. كل ما حولنا مصمم على مساعدتنا في تذكر ما نحن بحاجة فقط إلى تذكره، المواعيد مثلاً التي نكتبها في أجندة أو صفحات الحواسيب والهواتف بينما قد لا نحفظ أرقام هواتف أقرب الناس إلينا لعلمنا بأنها على بعد كبسة زر من أزرار هاتف لا يفارقنا. لا نتذكر ما تعشيناه بالأمس أو قبل أسبوع، نحفظ المعادلات الصعبة خلال فترة الامتحانات فقط وهكذا. كذلك، فنحن نسعى بشتى الطرق للنسيان الذي يبدو الدواء الأمثل للتخلص من كثير من حالات التوتر أو الإحباط وحتى الاكتئاب وما ينتج عنها من أمراض نفسية وعضوية. يقولون «ما تحتاجه هو الوقت» أو «الوقت كفيل بذلك» وما الوقت هنا إلا انتظارنا النسيان على مهل. يقولون لك «افتح صفحة جديدة». والكلمة التي لا تقال «ذاكرة جديدة». «أحتاج إلى التغيير» والمعنى المقصود في الأصل هو «ذاكرة جديدة» يسكنها أشخاص مختلفين وأماكن بكر وتفاصيل يومية لم يسبق أن عايشها. في الحقيقة، نحن في حاجة إلى النسيان بالقدر نفسه الذي نحتاج إلى الذاكرة فيه. بشكل عام، الأمر يعتمد على نوع المعلومة. مثلاً، ما حاجة طبيب ما بحفظ معلومات خاصة عن تهجين نوع معين من البذور؟ وما حاجة المزارع أو المهتم بالاقتصاد من جهة أخرى بتفاصيل التشريح الباطني لفأرة؟ بين أن «تعرف» وأن تكون «متخصصاً» فرق كبير، هذا الفرق يرسم هيكل المجتمع ويحدد وزنه ومستواه. لا حاجة بنا لأن نكون «ويكيبيديا» بقدر ما نحتاج من يدرك تخصصه ويبرع فيه. هذا الإدراك ولو بنسبة ضئيلة يبني مجتمعاً متطوراً قوياً منتجاً. بالمقابل، لا يوجد فعلياً ذاكرة مكتوبة للعالم فالتاريخ رهن من يقوم بتدوينه لذا لطالما كان أعور، محكوماً من جهة واحدة أشبه بخدعة بصرية الوهم فيها يخالط الحقيقة. ربما أدرك ذلك أرباب الحضارات القديمة من آشوريين وبابليين وفراعنة وشعوب المايا وغيرهم فبنوا الآثار الضخمة الخالدة التي تدل عليهم ورسموا الرموز التي تحكيهم وتنقل حكاياتهم وتفاصيل ملامحهم. إنها صناعة ذاكرة تفوقت على الزمان والمكان وبقيت بعد أن رحلوا غير محرفة. هل أدرك ذلك أيضاً على بساطته إنسان الكهف فترك تلك الرسومات والمنحوتات مثلاً؟ في مثل هذه الحالة، نكون أكثر العصور قابلية للفناء، نحن الذين نعلق ذاكرتنا الجمعية في فضاءات وهمية تمحى بكبسة زر. نحن صور رقمية ومكتبات ضخمة عبر الإنترنت. ماذا لو سقط فونيسنا الرقمي عن حصانه يوماً وفقد هذه الذاكرة؟ أي نسيان ينتظرنا؟ تخيلوا معي انقطاعاً لا عودة فيه للإنترنت والأجهزة اللوحية الرقمية. مرحباً بنا وبمجموعة من الأوراق البيضاء عندها. فلندع هذه الأسئلة التي ما أردت إلا إطلاقها في هذا الفضاء الشاسع حولنا، أن نتشاركها وأن تكون ذاكرة مشتركة مؤقتة على سبيل التجربة. تنتهي قصة بورخيس بوفاة فونيس باحتقان الرئتين، رمزاً لضياع الموهبة في وقت لا مساحة أو فرصة مناسبة فيه للمختلفين والمبتكرين. مجتمعات لا تقدر المعجزات وإن فعلت، فلا توفر لها الفرص المناسبة، فتتركها تعاني أو تموت وحيدة وسط ظلام من نسيان وإهمال. [email protected]
#بلا_حدود