الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

التراث المعنوي

الاهتمام بالتراث المعنوي أو المسمى التراث غير المادي أصبح سمة من سمات التمدن والتحضر، وقد وعت كثير الأمم تلك الأهمية وسارعت إلى لملمة شتات هذا الإرث الحضاري الثمين، وإعادة استغلاله بما يتناسب والقيم الجديدة وبذات المعايير التي تتسق مع معطيات الوقت الحاضر. تجربة الإمارات تعد تجربة جيدة وإن كانت ليست بذلك الكمال، فقد شارك في رفد مسيرتها كوكبة من الخبرات المحلية والعربية والأجنبية، وقد أسهمت تلك الخبرات في ظهور عدد من الباحثات والباحثين الإماراتيين الشباب، كل أولئك رفدوا المكتبات بإصدارات قيمة أسهمت في زيادة الوعي في هذا الحقل بل وساعدت على ظهور مؤسسات ومراكز بحثية تعنى بالتراث الثقافي. منذ البدايات الأولى لدولة الاتحاد أسس الرئيس المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، لجنة وطنية تعنى بالتراث سميت «لجنة التراث والتاريخ»، رصدت لتلك اللجنة موازنات مالية جيدة، وخصصت لها مبانٍ مستقلة حتى أصبح لها تقريباً في كل إمارة فرع، ولكن لم يكتب لهذه اللجنة الاستمرار رغم إصدارها لعدد من الكتب المهمة التي تعد مصادر للتراث الإماراتي، كما أن اللجنة خلّفت إرثاً من التسجيلات الصوتية المهمة. أما التجربة التي كنت معاصراً لها ومؤثراً فيها هي تجربة إدارة التراث في الشارقة التي يمكن اعتبارها تجربة متميزة على الصعيد المحلي والعربي، لوضوح المنهج والأهداف، وتسارع المنجز الثقافي من مشروعات وبرامج تستحق الاهتمام والمتابعة، أذكر من ذلك يوم الراوي، أيام الشارقة التراثية، ملتقى الحرف التراثية، ملتقى التراث، بشارة القيظ، برامج وأنشطة لها أثر كبير في ترسيخ التراث الشعبي وحفظه، إلى جانب تكريم شخصيات كانت وما زالت ترفد الساحة التراثية بعطائها. لكن قد يلاحظ المتتبع لهذا الشأن ظهور مؤسسات ومراكز بحثية مهمة في الإمارات لا تقل شأناً في عملها وإنجازها عن إدارة التراث التي كان لها شرف السبق والمبادرة. لكن في المقابل نجد هيئات ومؤسسات ليست لها صلة من قريب أو بعيد بالثقافة أو التراث تدخلت في التراث وهي جهة معنية في الأصل وليست مهيأة لمثل هذا العمل، لكن تجرؤها كان دافعه إما طيب «التعاطف والغيرة» وإما خبيث «الكسب والادعاء» الله أعلم. المشكلة أن هذه الجهات أصبحت لها مواسم وفعاليات وإصدارات أضحت مراجع عند البعض، كما أنها باتت لا تتردد في إطلاق نظريات وآراء في الشأن التراثي، ما جعل المهمة لدى الجهات الحقيقية صعبة والتحديات غاية في التعقيد والمشقة. هذا ما يدعونا إلى المناداة بتشكيل لجنة وطنية عليا للتراث لتفنيد العمل في هذا المجال وللحد من تشويه التراث والحط منه، خصوصاً التراث المعنوي الذي يعد أكثر عرضة للتزييف والتشويه والفقدان. المبشر بالخير هنا أن هذا العراك الطويل بين ما هو علمي وما هو ليس علمي وما بين الصواب والخطأ هو ظهور فئة من الإماراتيين المخلصين ممن استفادوا من الخبرات الجيدة منهجاً وفكراً، وتتلمذت على يديها فصارت هي حاملة لشعلة العمل والتنوير. [email protected]
#بلا_حدود