الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

نحتاج إلى ولادات كثيرة وليس واحدة

رحل عنا غابرييل غارسيا ماركيز الذي قال يوماً: البشر لا يولدون دوماً يوم تلدهم أمهاتهم، وإنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانية ولمرات عديدة، فوداعاً لهذا الرجل الذي طالما حدثنا وكأنه يستشرف مستقبلنا. أليس ما نعيشه في السنوات الأخيرة يدفعنا، لأن نولد بأنفسنا عشرات المرات؟ حتى نتشكل من جديد كأناس لديهم القدرة على قراءة الواقع، وعبور الحاضر بخطوات لا تخطئ نحو المستقبل. ربما لم تكن ولادتنا الأولى قادرة على تشكيلنا هكذا، وربما نكون قد ضللنا الطريق في منتصفه، فتوزعنا ما بين السلبية والأنانية والتشدد، وتاه البعض منا في طرقات ملتوية نحو التقليد والتطرف، إما لأقصى الانفتاح الأعمى على الآخرين أو حتى آخر طرف من أطراف الانغلاق حتى عن رؤية ما هو تحت الأقدام مباشرة. المحصلة أننا أمام تفجيرات وقتل ودماء تسيل وأرواح تزهق لأبناء الشرطة والجيش، ليس في مصر وحدها، بل في أكثر من بلد عربي، نعم، نحن في مواجهة مع الإرهاب، ولكن هل تكفي قوات الأمن في أي من هذه البلدان حتى بمساعدة قوات من الجيش؟ أيضاً لماذا في مصر، على وجه التحديد، ننتظر حتى وقوع الحادث، ثم نتحرك؟ ألا يوجد ما يعرف بالضربات الاستباقية؟ يحدث الانفجار أو التعدي على الممتلكات، ثم نفاجأ بأن الفاعلين هم مجموعة تنتمي إلى جماعات بعينها ومعروف عنهم إجرامهم وميلهم للعنف، لكن القبض عليهم لا يتم إلا بعد وقوع الواقعة. هناك خلل ما إذن في التخطيط، إلى جانب قلة الأعداد وكثرة الجرائم وسرعة الأحداث والتغير النوعي بها، ألا يستدعي هذا منا ولادة جديدة، لنغدو شخصيات أكثر إيجابية ونتحرك بفاعلية، لتقديم العون في حدود، لكوننا مواطنين، وربما الأمر لا يقتصر فقط علينا أو على الأشخاص، بل إننا نحتاج أيضاً إلى ولادة فكرية وتنظيمية جديدة تماماً تتماشى مع الأحداث والأوضاع والمتغيرات المتلاحقة. في مقدمة الملفات التي نحتاجها هي الأمن، ولكن هذا لا يعني أن ما نقصده هو الأمن فقط في الطرقات، بل أمن الروح والجسد والممتلكات، والذي لن يتحقق من دون إعادة نظر في كل شيء من حولنا. فنحن نصبو إلى التغيير ولا نتغير، ونتطلع إلى الغد من دون أن نتمكن من حل مشكلات الأمس واليوم، ونحلم بالرقي ولا نحاول التخلص من الشوائب العالقة بأذهاننا وعاداتنا وسلوكياتنا، نتحدث كثيراً ونقف في أماكننا ننتظر الخطوة الأولى من أشخاص آخرين، نهلل ونتحمس وسرعان ما يعترينا الفتور. كل هذا يلخص ببساطة افتقادنا إلى منظومة منطقية في التفكير والعمل والمواجهة، وهو ما يجعلنا نؤكد على أننا نحتاج إلى ولادة جديدة غير التي ولدنا بها. كل قطاع منا ما هو إلا جزء من كل، وفي حال ترهل أو تقاعس أو انهيار جزء، فلن يتمكن الكل من العبور حتى نهاية النفق، وحديثي هنا بالطبع لا يمس من قريب أو بعيد من يجوبون الشوارع، رافعين شعار رابعة أو أي شعار آخر ضد ما يريده السواد الأعظم من الشعب، فهؤلاء قد قرروا بإرادتهم أن يكونوا الجزء المبتور من جسد أوطاننا، لكني أتحدث عمن سيبني ويتحدى ويواجه ويستمر حتى نهاية الطريق. ليس عيباً أن نتمرد على سلبياتنا، بل من الشجاعة أن نقول إننا نحتاج إلى بناء ثقافي وفكري عقلاني جديد. وكما بدأت بماركيز أختم به، حينما أكد لنا على أن التقدم مسيرة متكاملة فقال: إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدمها مرتبط بسرعة أبطأ أفرادها. [email protected]
#بلا_حدود