السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

كيف نعظم الله

قبل أكثر من خمس وعشرين سنة كنت في زيارة لمدينة أم القيوين، وقادتني الأقدار إلى مسجدها الكبير، فاستمعت إلى موعظة إيمانية من ضمن فقرات حفل بمناسبة إسلامية معينة لا أتذكرها الآن. كانت الموعظة تدور حول معنى التكبير في الصلاة، بالتأكيد سيبدو على بعض القراء الكرام علامات الاستغراب، ومن ذا لا يعرف معنى قول «الله أكبر». والإجابة أننا نعني معناه الحرفي، وأكثرنا لم يسأل نفسه عن معنى تكرارها سبع مرات في الركعة الواحدة، فماذا قال الواعظ؟ مما أذكره أن الشيخ ربط مستوى خشوعنا في الصلاة بمستوى فهمنا للتكبير، واستيعابنا لمعانيه البسيطة والعميقة في ذات الوقت، فبقدر تعظيمك لله تنال نصيبك من الحضور والخشوع، ومسألة تعظيم الله، تعالى، من جوهر الدين. وكان صلى الله عليه وسلم، في سياق تعظيمه لله تعالى، يقول (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة) ويقول أبو يزيد البسطامي «الله أكبر من أن يقاس بالناس، وأن يدخل تحت المقياس، وتدركه الحواس». فعندما تدرك مدى عظم الله، تعالى، نسبة إلى أي شيء آخر من مخلوقاته، ومن مشاغل الحياة وتصاريف الزمن، وتستشعر هذه العظمة بكل كيانك، عندها فقط يمكنك أن تصرف عن تفكيرك كل تلك الأمور، بمجرد دخولك في الصلاة بقولك «الله أكبر». كان المعنى مدهشاً بالنسبة إلي وجديداً في الوقت ذاته، فضلاً عن بساطته ووضوحه، ولكن هل كان الأمر كذلك بالفعل؟! إذن لماذا لا زلت أعاني من الشرود والغفلة في صلاتي كأغلب الناس؟ بالتأكيد إن «الشيطان شاطر» كما يقال، ولكن أعتقد أننا محتاجون إلى المزيد من التأمل والتدبر في الحكمة من قول «الله أكبر». فدعونا نتأمل، مثلاً عدد المرات التي نكرر فيها قول «الله أكبر» في صلاتنا، الأمر مدهش بالفعل، فنحن نكررها في صلاة واحدة كصلاة الظهر مثلاً 23 مرة، وفي اليوم 98 مرة، وبإضافة النوافل الراتبة تصل إلى 180 مرة نعلن فيها أن «الله أكبر» وكأن الله، تعالى، لعلمه الأزلي بتفلت الصلاة ووسوسة الشيطان وتزاحم المشاغل، ألزمنا بكل هذا التكرار، حتى نتذكر ونرجع كلما شردنا. إن الله أكبر من كل الشواغل الدنيوية، وفي الاشتغال به وبرضوانه غنى لنا عما سواه، فارجع إليه وتبتل بين يديه، واجعله نصب عينيك، حتى يجعلك في كنفه وحفظه. ثم يأتي من يجادل في أهمية هذا المعنى! والإجابة بسيطة للغاية، فمن يا ترى أحق بأن يكون الأكبر في حياتنا إن لم يكن الله، جل في علاه؟ هل هناك من يعلو مطلق العلو ولا يعلى عليه إلا هو؟! وهنا أتذكر منطق البدوي الحجازي، صاحب اليقين الفطري، الذي كان في جيش الشريف حسين بن علي إبان قتاله للقوى الاستعمارية، عندما حذرهم الشريف من أن العدو يملك سلاحاً حديدياً يطير في الجو يدعى «الطائرة» ولا قبل لنا بها، فسأله البدوي بكل بساطة: أهي تطير فوق الله أم أن «الله فوق»؟ فرد عليه الشريف: بالطبع إن الله فوقها، فرد عليه بتصميم منبثق من أتون اليقين: إذاً امض، ولن يخذلنا الله. يظن البعض من قبيل الحرية ألا يكون في حياتنا من يستحق صفة العظمة المطلقة، ونسي هذا أن حياتنا بذلك ستكون كسفينة من دون ربان في بحر متلاطم، فهل سننجوا؟ بناء على ما سبق، هل يمكننا التساؤل: متى يكون الله أكبر في حياتنا ومتى لا يكون، والعياذ بالله؟ والإجابة، يكون الله أكبر عندما ندخل صلاتنا ونحن في شوق للقاء الله، وبمجرد التكبير تنطفئ في قلوبنا كل الشعل والإضاءات وتخبو، ويتوقد نور الله والأنس به، عندما نعامل والدينا ونحيا مع أسرنا ونسير بين الناس كما أمر الله ورسوله، عندما يكون سرنا كعلانيتنا، شهودنا كغيابنا، عندما نقدم على البذل وقلوبنا تتقافز لهفة، وتلتمع أعيننا، فرحاً بطاعة الله وطمعاً بما عنده، عندما نناصر المظلوم ومن لا يجد نصيراً على ظالم، ونمسح دمعة المحرومين، عندها يكون الله أكبر. وفي المقابل، إذا ما خلونا بمحارم الله انتهكناها، واعتدينا على حقوق الناس لفضل سلطة عندنا، وجمعنا المال وأنفقناه من دون نظر في «من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟» وإذا تأخرنا عن نصرة المظلوم والمقهور والضعيف، خشية أن ينقص شيئاً مما في أيدينا، عندها يكون الذي خشينا منه، كائناً ما كان، أكبر عندنا من «الله أكبر». فهل نبدأ بالتغيير وإعادة برمجة عقولنا، وترتيب أولوياتنا؟ أرجو ذلك. إلى الملتقى .. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود