الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

كتب تعاني من اللجوء

 أثناء استعراض عناوين الكتب بهدف تنظيمها حاولت الاستعانة بجون دي وي في الفهرسة والتنظيم، فمكتبتي تطالبني بتنظيمها وترتيبها وإعادة عنونة أرففها، والتخلص مما فاض ولم يعد بمقدور أرففها استيعابه، وهذا إجراء سنوي. حينها لا بد من الاتصال بالأصدقاء الكثر الذين ينتظرون هذه المناسبة، فهم بين الحين والحين يسألونني: ألم يحن أوان تنظيم مكتبتك، اذكريني بالكتب الفائضة، أحتار بمن أتصل لأهديه كتبي التي أستغني عنها في كل موسم «نفض المكتبة»، فعهود تميل إلى دواوين الشعر، وأمهات جدد يفضلن الكتب ذات العلاقة بتربية الطفل، أما سهير وسامي، فأكثر ما يشدهما العناوين ذات العلاقة بالإثنيات والعقائد وأديان الشعوب. وبالنسبة لصابر، فأي عناوين تمثل إضافة لمخزونه المعرفي، وغيرهم وغيرهم.. الصعوبة عندي تكمن في لحظة الوداع، فمن حيث لا أدري تتولد بيني وبين كل كتاب أقرؤه أواصر حب ومودة وما يشبه علاقة الأرحام، ومن الصعوبة بمكان مفارقته ونقل ملكيته إلى مالك جديد، ففراقه أشبه بانسلاخ قطعة من الروح عني، لكنه إجراء لا بد منه، يفرضه عليّ ضيق المساحة، في البداية كنت أضيف مزيداً من الأرفف حتى أصبح الحيز المتاح في المنزل لا يسمح بالمزيد، عندها بدأت توزيع الكتب، وبدأتْ معاناة الفراق. من حيث لا أدري طفت على السطح مأساتي، فكلٌ من أصدقائي ومعارفي له وطن ودار، في كل عام يعود لوطنه ويضيف لداره ملمحاً، فهذه أنظمة إضاءة متقدمة جلبها معه من الإمارات، وهذه كهربائيات، وفي إجازة تالية يجلب قطعاً فنية يزيد بها إلى منزله بهاءً. والمثقفون منهم تستهويهم إضافة كتب جديدة لمكتبتهم، ولوحات فنية لجدرانهم، الكثير من أصدقائي ظلت مكتبته في وطنه الأم تزداد اتساعاً، تسهم كتبي الفائضة عن أرففي في ملء أرففه، وذلك على مدى 35 عاماً هي سنوات وجودي هنا. أما مكتبتي، فحيزها محدود، وهو ما يجبرني على إبقاء عدد معين من الكتب، كنت أتمنى لو أنني استطعت الاحتفاظ بكل كتاب قرأته، لأقرأه مرتين وثلاث وأربع، كان بودي لو أضفتها إلى مكتبة لي، في دار لي، في وطن لي، لكنه الحلم العصي الصعب. ولست وحدي مَن يعاني من عدم وجود وطن ألجأ إليه، حتى كتبي تعاني، تتمنى لو ظلت باسمي، أطبع عليها ختماً يفيد بأنها من مقتنيات مكتبتي وأعتز بذلك، لكن هذا النوع من الاعتزاز، رفاهية لا أملك تحقيقها. مأساة كتبي هي جزء صغير من مأساتي، تعاني من الغربة والاغتراب وعدم الانتماء وضياع الحقوق في الاستقرار على أرفف تمثل لها منزلاً، انتقل بعضها إلى مصر وبعضها إلى بغداد وبعضها إلى تونس، وبعضها ما زال بقربي يخشى موسم «نفض المكتبة» السنوي، فقد يقع عليها الاختيار لتصبح لاجئة إلى أرفف جديدة، في أوطان جديدة. [email protected]
#بلا_حدود