الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

في رحيل ماركيز

بضمير مستريح وبدون خوف من الكليشيه المعاد والتقاليد الأدبية التي تكرر في كل مناسبة وفاة لأحد المهمين نستطيع القول بأن الأدب فقد آخر عظمائه حقاً في القرن العشرين، وبرحيل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (87 عاماً) تودع الواقعية السحرية خارطة الأدب في العالم. لهذا الروائي أكبر الفضل في نقل خلطة الواقع بالخيال من محيطها اللاتيني إلى الأرجاء ومنح الأدب اللاتيني بحكاياته الشعبية وحواديته وأساطيره دفعة قوية كي يرى نور العالم بعد أن اعتبرت لزمن خاوية من الروح والمعنى والدلالة. هذه العظمة الأدبية التي خلفها ماركيز وراءه اتخذت مكاناً قديراً في الذاكرة الأدبية حتى التحمت معها وصارت جزءاً أصيلاً منها، ظلت رواياته بحق طريقة للحياة وقد شكلت وجدان قاعدة عريضة من القراء في بلده وحول العالم حتى تشعر أن لومضاته القصيرة التي يدسها بين ثنايا الرواية دورة حياة خاصة بها وحدها، أنت تقرأ كتاباته اليوم لكنها ستبقى سارية المفعول بجانب أي حدث جديد أو مستقبلي، كأنما ماركيز بداخلها ويعايشها جميعها بالفعل حتى لتظن أحياناً أن هذا الأديب أكبر من الواقع وأكبر من الحياة ذاتها. كافح طويلاً كي يصنع اسمه كروائي موجود وله وزن منذ أن عمل كمراسل صحافي ونشر قصصاً ومقالات وروايات قصيرة متفرقة في الخمسينات والستينات كان أشهرها «عاصفة الأوراق» و«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، وقد جاءت جاذبية كتاباته وقت أن صيغت دماغه الأدبية على يد حواديت الجدة كما قال يوم أن كان يافعاً وكان العمر ممتداً والصحة مكتملة والأيام لا حصر لها، ثم كان بلوغه مرحلة ذروة الإبداع في روايته الملحمية «مئة عام من العزلة» التي نال عنها جائزة نوبل في الأدب في العام 1982 حيث كان يمازج فيها بين الأحداث المعجزة مع تفصيلات الحياة اليومية والحقائق السياسية في أمريكا اللاتينية. تشرب كثيراً من حكايات الأجداد واستدعى التاريخ وأرفقه بالواقع في كلمات تغص بكل ما يلهب الخيال ويعطي معنى وبُعداً للحقيقة، حمل على عاتقه الثقافة اللاتينية بكل ما تحويه من التخاريف والأساطير والسحر والظواهر الخارقة للعادة والتهاويم المنسوجة من ضباب والتي كانت ومازالت تقوي القطع الأدبية ولا توهنها وعرّف الناس بها في حميمية وهدوء. انقضت حياته لكن إرثه الأدبي سيبقى خالداً لا يموت، ولعل عزاء قرائه وما يخفف وقع حزنهم عليه هو أنه كان قد أنهى مجده الأدبي الخاص به ثم رحل.
#بلا_حدود