الاحد - 19 سبتمبر 2021
الاحد - 19 سبتمبر 2021

«لا تدلعونهم»

لا أجمل من النعمة تظهر في حياتنا من خلال ما نملك من خير، لا أجمل من أن نرفل في معيشة الملوك التي نحياها، ولو أننا نظرنا إلى سالف العصر، لوجدنا أن من يحيا حياة متوسطة هنا تعادل حياة ملوك الترف في تنوع النعم والأكل ووسائل التنقل والترفيه وسهولة العيش في التاريخ، وأننا نملك قوت آلاف الأيام في أرصدتنا، وأننا ننام آمنين في أسرابنا ليل نهار. والسؤال هنا: هل يدرك أبناؤنا، أبناء الآيباد، في يومنا هذا قيمة هذه النعم ومعنى أن تكون الحياة سهلة، بعد الصعوبة التي مر بهم جيل لا يسبقنا بكثير؟ فعجلة التسارع تزيد كل يوم ومن لا يدرك قيمة النعمة، وصعوبة عدم الحصول عليها لن يتمكن من مواكبة أقل مصاعب الحياة شراسة، والنعيم لا يبقى أبداً. إن ما نحتاجه لأبنائنا هو أن يكونوا في طرف يقدر قيمة الحياة ويدرك صعوبتها في العالم، كي يتمكنوا من تقدير ما يملكون، فلذة السعي والحصول على الأشياء لا تقل أهمية عن أهمية الحصول عليه أياً كانت، بل إن تقديرها لا يتم إلا بالسعي ووضع الأهداف، وإن من يملك القيمة ويقدرها لا يريد لأبنائه إلا السعي والمضي في الرحلة، الأمر الذي يجعلهم أقوى في مواجهة الحياة، ويجعلهم يقيمون كل شيء. كان كبار السن يحضوننا دائماً بكلمة «لا تدلعونهم» ويقصدون بها الأبناء أو يقولون بقلبك حبه وبيديك لبه، بلهجة محلية عميقة تعني أن تفصل بين الحب والإفراط في الدلال، وأن تتيح لأبنائك فرصة الخطأ والتعلم من الظروف القاسية والصعبة، ومراقبة ردات أفعالهم في بداياتهم، لأنها ستشكل ما يعتمدون عليه في حياتهم لاحقاً من مبادئ ومعتقدات تسهم في نجاحهم من سواه. الحزم والقسوة أحياناً من الحب هذا الأمر الذي لا يدركه الأبناء بسهولة في بداية حياتهم، لكنهم حتماً يقدرون ذلك حين يصبحون آباء ويعلمون قيمة الأشياء، حين يدركهم التعب في الحصول عليها ولا أجمل من لذة الراحة بعد هذا التعب، فالحياة هي التناقضات التي نحياها بفكر وعاطفة، فنرى تأثيرها علينا وتواترها في الأجيال، وختاماً «لا تدلعونهم». [email protected]
#بلا_حدود