الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

إلى القلعة .. والعكس

كيف يمكن أن يعمل الكاتب وفي نفس الوقت يتفرغ للكتابة والقراءة؟ كيف يمكن أن يحافظ على هذه المعادلة الصعبة بنجاح؟ أنا لم أكتب خلال فترة عملي ولم أعمل خلال فترة كتابتي لمجموعتي القصصيتين أو روايتي! في الأصل، كانت «بطالتي» لفترة من الزمن أحد أهم أسباب اقتحامي عالم الرواية، بعد أن كانت الصفحات البيضاء الكثيرة ترعبني، فأترجم أفكاري من خلال مقالات أو قصص قصيرة أو حتى قصائد وخواطر .. أي شيء عدا الرواية! سمحت لي ساعات الفراغ التي يقضيها الآخرون عادة في وظائفهم، بكرم بالغ، أن أقوم بالقراءة والبحث والكتابة ثم إعادة الكتابة، إلى أن اكتملت روايتي الأولى «النافذة التي أبصرت» والتي ستنشر، بإذن الله، تزامناً مع معرض أبوظبي للكتاب هذا العام. أيضاً، فالأديب بحاجة إلى مثل تلك الساعات المعطاءة للاطلاع، وبين المجلات والصحف والمواقع الثقافية والإصدارات يضيع عطاء الوقت وكرمه، وينطبق عليه في هذه الحال ما يعنيه أصحاب المثل: إن صاحبك عسل .. فما الحل؟ في مايو من العام 2007 نشر أول رئيس لجمهورية التشيك «فاتسلاف هافيل» مذكرات عن فترة رئاسته تحت عنوان «إلى القلعة والعكس» والتي جمع فيها مقابلاته وحواراته مع الصحافة بالإضافة إلى يومياته. رغم ذلك فإنه يعرف أولاً بالكاتب المسرحي والشاعر ثم السياسي الثائر (أو المنشق)، فقد كتب هافيل أكثر من عشرين مسرحية تمت ترجمتها ونشرها عالمياً، بالإضافة إلى عدد من الكتب والإصدارات المختلفة. الجدير بالذكر أنه تفرغ للكتابة بعد فترة رئاسته الأولى وبعد الثانية. في الوقت نفسه وبعيد عن المطالبة بهذا التفرغ الأدبي الجميل، هل يشكل ذلك خللاً في دور الكاتب؟ أعني، هل عليه أن يكون ما يكونه الآخرون، وأن يختلط في يومه بما يختلط ويعيشه أيهم ليكون كاتباً أو شاعراً بحق؟ فبعيداً عن المدرسة البرناسية (الفن من أجل الفن) وما يمثلها أو يقاربها، يعد الفن والأدب صوت الناس وانعكاساً للمجتمعات، وهذا نهج بالفعل عدد من الكتاب مثل ماركيز، الذي انعكست تحقيقاته الصحفية في شكل إصدارات أدبية مختلفة. قد تكون المسألة هنا في نظرة المجتمع للكاتب الذي لا يعتبر موظفاً، ولا الكتابة وظيفة كما لا تعتبر (بالمناسبة) ربة المنزل والأمومة وظيفة. أيضاً، فإن أرباح الكتب، وإن كانت من ضمن الأكثر مبيعاً وقراءة، وإن كنت من أشهر أدباء عصرك، لا تعد أرباحاً يمكن الاعتماد عليها في تكوين مستوى معيشة مناسب ومستقبل مضمون، ولا تكفي لأن تعول أسرة. فكرة غريبة تداولها كثير مدة زمنية طويلة وبعد مكاني كافٍ حتى وصلت إليّ، خصوصاً في بداية محاولاتي للنشر قبل عدة سنوات، هي أن الكاتب بما أنه يسهم في الحراك الثقافي لمجتمعه ومشهد وطنه الأدبي، إذاً عليه أن لا يتوقع مردوداً مادياً، والأدهى والأمر هو أن عليه أن يسهم مادياً كأن يصرف من ماله الخاص على طباعة ونشر الكتاب وتوزيعه، حتى إني أعرف كاتباً قام بشراء مئات من نسخ إصداره عندما لم يقابل بنسبة الشراء والإقبال المتوقعة، وذلك في محاولة أخيرة لحفظ ماء وجهه وسمعة الكتاب .. والكاتب. أعود إلى سؤالي الأهم: كيف يجد الأديب يا تُرى الوقت للتفرغ للكتابة؟ في صحيفة «الشرق» وفي مقالة لقاسم حداد بعنوان «لم أتوقف عن الكتابة يوماً» يقول «ثمة تقليد تيسر لي منذ أن أطلقت زاوية (وقت للكتابة) منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ساعدتني عليه علاقتي المطلقة مع القارئ، وبتفهم الأصدقاء في الصحف التي نشرت فيها (وقت للكتابة)، يتمثل «هذا التقليد» في توقف الزاوية بين فترة وأخرى، لمنح نفسي وقتاً خارج الالتزام الثابت للنشر. كسراً للرتابة من جهة، ومن جهة أخرى استعادة الأنفاس خارج الواقع الافتراضي الذي عملتُ على تأليفه ونقضه في نفس الوقت». يتحدث قاسم حداد هنا عن الكتابة الملتزمة؛ كأن يكون عموداً أو مادة صحفية، فإن كان الكاتب يحتاج إلى فترة «هدنة» أو «عزلة» من الكتابة، فهذا يُحكم إغلاق حلقة السؤال لنعود إلى نقطة الصفر من جديد! ما رأيكم؟ [email protected]
#بلا_حدود