الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

عن الصورة الذهنية والثقافة المؤسسية

الحديث عن الصورة الذهنية والثقافة المؤسسية، حديث يجرنا لمجال التخطيط من جانب، والغوص في طبائع البشر وتأثير المجتمع عليها من جانب آخر، فعندما تضع المؤسسات قيمها المؤسسية وتعرف موظفيها بها، وتعمل على ترسيخ تلك القيم في ممارساتهم اليومية وواجبات أعمالهم اليومية، فإنها تفعل ذلك لغايات تحسين الخدمة النهائية المقدمة للعميل. ولكن هل للجانب الثاني، والمتعلق بأمزجة الناس وطبائعهم علاقة أو أثر في تشكيل الثقافة المؤسسية تجويداً أو تشويهاً؟ هذا ما أريد أن أتناوله اليوم عن طريق القصة التالية. قبل أسبوعين كنت في زيارة عمل إلى دولة عربية، ولولا حساسية العقلية العربية من ذكر الأسماء لذكرت اسمها، ولكني أثق بفطنتكم، وكعادة المسافرين، ذهبت لأقرب شركة اتصالات، لاستخرج بطاقة هاتف، وتعمدت أن أختار شركة لي معها علاقة عاطفية، لا تذهبوا بعيداً في تفسير العاطفية هنا، فما عنيته هو أن للشركة وجود في الإمارات، بل ومقرها الرئيس عندنا. ما إن رأيت الشعار والألوان الهادئة، حتى استحضرت صورتي الذهنية عن خدمات الشركة ورعايتها بالمتعاملين، فدخلت وكأني أدخل إلى قطعة من الإمارات. وهذا ما شعرت به حقيقة، توجهت مباشرة إلى مكاتب تقديم الخدمة، ومن حسن حظي أنها كانت شاغرة، ولكن قبل أن أصل إليها، استوقفني موظف الأمن وسألني عما أريد، وقبل أن أتكلم أشار بيده، كي أتوجه إلى طاولة صغيرة قرب الباب عليه جمع من المراجعين. وكعادتي وقفت خلفهم أنتظر دوري، رغم أني لم أجد صفاً واحداً ألتزمه، بل مجموعة «متكأكئة» على موظف! أنجز الموظف للمراجعين معاملاتهم، ولم تكن سوى إضافة رصيد مكالمات إلى هواتفهم، ثم لم يتبق سواي ومراجع أمامي، فدخل ثالث، وبدلاً من أن يصطف خلفي، وقف بجانبي، ثم وبكل برودة أعصاب قدم طلبه قبلي، وكأنه لا يراني، فقلت في نفسي جازماً إن الموظف سوف يرده، فكانت المفاجأة أنه قبل منه وبدأ ينهي معاملته، فلم أطق هذا الاستهتار، فلفت نظر المراجع إلى أني موجود، فما زاد على كلمة «آسف» بوجه بارد، ثم مضى وقد حصل على ما أراد، فأردت أن أعرف الموظف فداحة ما فعل، وبدأت أشرح أن ذلك يضر بسمعة الشركة ويتعارض مع قيمها التي أعرفها في الشركة الأم في الإمارات، ثم حاولت أن أنبهه أن هذا يضر بقيم الناس، ويزيد من تشوه طبائعهم، فهز رأسه، وتأسف كسابقه. وكي ينهي الحوار، سألني عن الخدمة المطلوبة، تقبلت الموضوع على مضض، وأخبرته عن طلبي، فقام إلى جهاز بطاقات تنظيم المراجعين واستخرج لي بطاقة، ووجهني إلى مكاتب تقديم الخدمة، كنت بجانب جهاز البطاقات طوال الوقت، ولم يكن بمقدوري استخراج بطاقة إلا بمعية حضرة الموظف، رغم أنها أجهزة مصممة، لتستخدم ذاتياً، توفيراً للوقت والعمالة، لكن «ده م يمشيش في .......». بعد كل هذا العناء حصلت على دوري، للدخول على حضرة موظف الخدمة، وأنا كلي امتنان، وهنا بدأت قصة أخرى تعكس مستوى الخدمة والفرق بين هنا وهناك. المكاتب الأربعة كانت خالية من الجانبين، المراجعين وكذلك الموظفين، فيما عدا موظفة واحدة تقدم الخدمة لعميل غيري، ويبدو عليها العبوس بشكل ملفت، وتعمل «على أقل من مهلها». بدأت أبحث عمن ينهي معاملتي، فإذا بموظف وموظفة ممن يفترض أن يقدموا الخدمات، وهما يتبادلان أطراف الحديث، فظننت أن الموضوع يتعلق بالعمل، فإذا هو حديث عن أمور حياتية خاصة! وجدت نفسي أشير إليهما بمعاملتي، ويبدو أنني، بعد جهد، استطعت أن أثير شفقة الموظف علي، فأخذ معاملتي وبدأ ينجزها، أما الموظفة فأخذت تبحث عن المشط وعلبة المساحيق، وكأنها ذاهبة إلى عرس! ومع ذلك فهي لم تقصر في إشغال من يقدم إلي الخدمة بين حين وآخر في أمور لا دخل للعمل به، وكان صاحبنا يتجاوب معها، و«يلطعني» زمناً، ولا كأنه يجرم في حق العميل ووقته، حسب ما نعرفه من مبادئ حسن تقديم الخدمات. أكتفي بهذا الوصف ولن أتطرق إلى طريقته في طرح العروض علي، والمفاضلة والنصح للعميل، فهذا سرده يطول، ولولا أني أعرف ما أريد بالتحديد، لدفعت مالاً لخدمات لن أستفيد منها في زيارتي التي لن تتجاوز الأسبوع. صدقاً ليس فيما وصفت أدنى مبالغة، وكما يقال «ليس من سمع كمن رأى». والآن نعود لتساؤلاتنا، لماذا يختلف التعامل ومستوى الخدمة في المؤسسة الواحدة بين بيئة وأخرى، أو بلد وآخر؟ هل هو راجع إلى اهتمام المؤسسة بالمظاهر المتمثلة في شعار الشركة وشكل مكاتبها ودرجة تدرجات الألوان، وغفلتها عن العامل الأساس في مستوى الخدمة وهو الإنسان؟ هل الأمر متعلق بطريقة توصيل وترسيخ ثقافة المؤسسة لدى العاملين، فما يصلح في بلد قد لايصلح في آخر؟ هل لجنسية العاملين دور؟ أم جنسية المتعاملين لها كذلك دور؟ بدليل أن كل المتعاملين من جنسية ذات البلد، لم يبد أحد منهم استهجانه، وتعاملوا مع الموضوع كتحصيل حاصل. تكثر الأسئلة، لكن الإجابة التي تعنيني هي أن شركة الاتصالات هذه أخفقت في الحفاظ على ثقافتها وصورتها الذهنية لدي، ومستقبلاً سأفكر ألف مرة، قبل تجربة خدماتها في أي مكان في العالم. وإلى الملتقى.. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود