السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

المتقوقعون

يحدث كثيراً أن نرغب في تغيير بوصلة قراءاتنا، فنتجه إلى الشرق الأقصى لنقرأ لكنزابورو أوي، ويحدث أن نتشبع من الأصوات العربية، فنلجأ إلى الجنوب الأوروبي لنستمع للارا فابيان، ويحدث أن نمل من أطروحات المفكرين العرب، فيأخذنا البحث إلى معلمي التبت وفلاسفة اليونان. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم مفاده: هل يمثل سلوك مثل هذا نوعاً من الاستلاب الثقافي؟ أعتقد أن الاتفاق على إجابة موحدة على سؤال مثل هذا أمر يقترب من الاستحالة، فثمة من يرى في ذلك انسلاخاً عن الهوية العربية، وثمة من يرى فيه نوعاً من الإثراء والتجديد. ومن وجهة نظري الخاصة أرى أن السؤال برمته خاطئ، وذلك لأنه لا يوجد من الأساس شيء اسمه استلاب ثقافي. فالثقافة بمختلف مفاهميها تسير في اتجاه واحد فقط، هو المنح، وليس السلب، فأنا أستطيع أن أمنح الآخر جزءاً من ثقافتي، لكني لا أستطيع أن أسلب منه جزءاً من ثقافته، وحتى لو طغت ثقافتي على ثقافته، وحلت محلها، فهذا لا يعني أني سلبته شيئاً، بل على العكس، يعني أني منحته وأضفت إليه. قد يقول قائل بأن التأثير واحد، فعندما تتمكن ثقافة من الحلول محل ثقافة أخرى، فهذا يعني أن الثقافة الأصلية للفرد قد استلبت، بمعنى أنها تلاشت من عقله. والرد على قول مثل هذا سهل، وهو أن الثقافة التي لا تتمكن من مجاراة متغيرات عصرها، تفقد قدرتها على إقناع أصحابها، وبمرور الوقت تفقد قدرتها على الاحتفاظ بمكانها في عقولهم، فتتلاشى من تلقاء نفسها، لتفسح مكانها لثقافة أخرى أكثر عمقاً وتماسكاً، إذاً فالخلل ليس في الثقافة الجديدة المواكبة لمتغيرات عصرها، وإنما في الثقافة القديمة، المتجاهلة لمستجدات الواقع. أثناء زيارتي لواحدة من أكبر مكتبات دبي مول، استوقفني شاب خليجي في مطلع العشرين من عمره، وسألني عن القسم العربي فيها، فأرشدته إليه، وبعد دقائق عاد إلي مرة أخرى، وطلب مني مساعدته في العثور على ثلاثة كتب، جميعها لمؤلف واحد. فنصحته بالتنويع في قراءاته، لكنه رفض بشدة، وعلل ذلك بأنه حريص جداً في قراءاته، ولا يرغب في القراءة لكتاب غير مسلمين، فوضحت له بأن المعرفة مثل الحديقة المترامية الأطراف، وأن التقوقع في زاوية واحدة منها، يحرم الإنسان من استكشاف مساحات جديدة، وأن التنويع في القراءات لا يتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف، بل إن كبار مفكري الإسلام قرؤوا لكتاب من حضارات مختلفة، لكنه لم يقتنع برأيي، وانصرف حتى من دون أن ينتظر مساعدتي. هذا الشاب مجرد نموذج واحد من فئة كبيرة من القراء العرب، ممن تعصبوا في كل شيء، حتى في ثقافتهم، وحرموا أنفسهم من الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى، رغم أنهم يستخدمون منتجاتها ليل نهار، في مشهد متناقض يبعث على الكثير من الدهشة والاستياء. [email protected]
#بلا_حدود