الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

المتاجرة السياسية بالآلام

ما زال معظمنا يتذكر عندما سمح النظام السوري الفاشي بداية الثورة للأكراد بالاحتفال ولأول مرة علناً على مرأى ومسمع من الإعلام بعيد النوروز الذي كان يقمعه كل عام وينهيه بمجزرة صغيرة، فما الذي تغير؟ لا عجب فكل الفاشيات والدكتاتوريات تتلاعب بقضايا الشعوب تبعاً لحقارة مصالحها، وخدعة التودد للأقليات والتعذر بحمايتها والاستزادة في الاهتمام بها وبمناسباتها الخاصة لعبة استعمارية قديمة كانت تقوم على المتاجرة بورقة الأقلية متى ما كان هذا ملائماً؟ ففرنسا مثلا مارستها في الجزائر، وبريطانيا كانت ترغب قديماً في اجتياح مصر بحجة حماية الأقباط كأقلية معرضة للتدهور، وقد فعلها النظام السوري مع غير الأكراد واتخذ من حماية المسيحيين واجهة لتغطية بعض جرائمه ومنحها بعداً إنسانياً! تذكرت هذه الخواطر كلها بعد أن سمحت حكومة الملالي في إيران للأرمن بالتظاهر في ذكرى المذابح الأرمنية التي ارتكبتها السلطنة العثمانية بالأرمن والتي صادفت ذكراها السنوية في ٢٤ أبريل، وفي هذا السماح الفريد والغريب لهم بالتظاهر يمكن قراءة المتاجرة بجراحات الناس بوضوح، فلو كانت علاقة إيران بتركيا لم تتوتر بسبب ما يجري في سوريا فهل كانت ستسمح لهم إيران بالتظاهر؟ الإجابة لا طبعاً، والدليل أن إيران التي تجهد نفسها في الظهور بمظهر إنساني شريف على حساب ضحايا المذبحة يستحيل أن تسمح للإيرانيين أن يخرجوا في الشوارع ويعبروا عن آرائهم في أي قضية سياسية مخالفة لسياساتهم، والأمر الآخر هو ما ترتكبه قوات الحرس الثوري وملحقاتها من جيش المهدي العراقي وتوابعه وحزب الله من مجازر في سوريا، أكثر من سبعة ملايين سوري اقتلعوا من أرضهم وتشردوا في المنافي، وربع مليون ضحية سوري قضوا بسبب التطهير العرقي والطائفي المدعوم إيرانياً، لكن وبُعرف هذه الحكومة فلا بأس من إجازة الندب واللطم على مجازر عمرها نحو ١٠٠ عام ارتكبتها السلطنة العثمانية. هنا يكون التعامل مع الكوارث البشرية بأكبر قدر من التشفي كأنما واتتهم الفرصة لتصفية حسابات مع العدو، رأينا هذه اللقطات المنددة بالمذابح، وبالمناسبة فالمجازر البشرية وصمة عار في أي تاريخ وليست أمراً مشرفاً ولا تدل إلا على مدى الانحطاط الذي انحدر إليه الإنسان عندما امتلك سلطة وقوة، ويتطلب من تركيا أن تكون أكثر شجاعة لتقديم الاعتذار عنها، تماماً كما هو حال هولوكوست اليهود والذي قدم من قاموا به الأعذار تلو الأخرى عنها لدرجة إهدائهم بلداً يقام على أنقاض بلد آخر وعلى حساب جثث شعب آخر، لكن في تجمع الأرمن ذاك لحظة محملة بالمعاني التي لا يمكن أن يصدق العاقل أنها بادرة إنسانية إيرانية، فنظام عرف بتهجيره وإذلاله واحتقاره لكل الأقليات كما حكومة الملالي في إيران لا يقنع بالدفاع عن حق الأرمن ومطالبة تركيا بالاعتذار منهم، ولا يمكننا وصف تلك الاستعراضات وهذا السلوك المنافق على أقلية الأرمن سوى بالاستغلال السياسي القبيح لآلام الناس.
#بلا_حدود